كتبت: نوران عمرو
كثيرًا ما نسمع هذه العبارة تتردد على ألسنة الكبار: “جيل اليوم لا يقرأ”، وكأنها حقيقة لا جدال فيها، وكأننا أمام كارثة ثقافية أصابت المجتمع. لكن، هل حقًا توقّف الشباب عن القراءة؟ أم أن ما تغيّر هو شكل القراءة وموضوعاتها؟
الواقع أن الشباب اليوم يقرأون، ولكن ليس بالطريقة التقليدية التي اعتادها الجيل السابق. لم يعودوا يحملون الروايات الضخمة، ولا يقضون ساعات في المكتبة، ولا يكتبون هوامش في أطراف الكتب. بل يقرأون من خلال الشاشات: مقالات مختصرة، كتب رقمية، سلاسل معرفية على منصات التواصل، مقاطع فيديو مدمجة بالنصوص، وتغريدات تُلخّص كتبًا كاملة في جمل قصيرة.
لكن هل هذا يعني أنهم سطحيون؟ غير مثقفين؟ الإجابة ليست بهذه البساطة.
نحن نعيش في عصر السرعة، حيث يتم تقييم كل شيء بثوانٍ معدودة، بدءًا من الفيديوهات القصيرة وصولًا إلى فرص العمل. في هذا الواقع، تغيّر مفهوم “القراءة” ليُصبح أكثر ارتباطًا بالوظيفة والمعرفة السريعة، وأقل ارتباطًا بالتأمل الطويل والكتابة الأدبية العميقة. وهنا لا يمكن أن نلوم القارئ وحده، بل يجب أن نعيد النظر في المحتوى نفسه: هل ما نُقدّمه يُشبه عالمهم؟ هل يُعبّر عن أسئلتهم الحقيقية؟ هل يلامس قلقهم، أحلامهم، طريقتهم في الفهم والتلقي؟
ثم علينا أن نسأل أيضًا: من قال إن كل قراءة يجب أن تكون في كتب مطبوعة؟ أليس الفهم، والتحليل، والربط، والتأثر، هو جوهر القراءة؟ فلو قرأ شاب مقالًا علميًا على الإنترنت وتناقش فيه، أو شاهد محاضرة فلسفية وتأثر بها، أو استمع إلى بودكاست يناقش رواية… أليس هذا شكلًا من أشكال القراءة والتفاعل الثقافي؟
المشكلة الحقيقية ربما ليست في أن الشباب لا يقرأون، بل في أن البعض ما زال يريدهم أن يقرأوا بنفس الطريقة القديمة. أن يحبّوا نفس الكُتاب، ونفس الأساليب، ونفس اللغة. بينما الجيل الجديد يبحث عن لغة تُشبِهه، وتخاطب قضاياه، وتمنحه معنى في هذا العالم المضطرب.
وفي الوقت الذي نشكو فيه من بُعد الشباب عن الكتب، لا بد أن نسأل أنفسنا: هل وفّرنا لهم بيئة تحفّز على القراءة؟ هل جعلنا الكتاب قريبًا من حياتهم، أم تركناه على رفٍ عالٍ تتراكم عليه الغبار؟
في النهاية، الجيل الجديد لا يحتاج إلى من يُحاكمه، بل من يفهمه. ولا يحتاج إلى كتب ثقيلة تُشعره بالنقص، بل إلى كتب حيّة، تُضيء له طريقًا وسط هذا الظلام. فدعونا نُغيّر السؤال من: “لماذا لا يقرأون؟” إلى: “كيف نكتب لهم ما يستحق أن يُقرأ؟”
![]()
