...
IMG 20260217 WA0001

كتبت: المحبة لله 

 

في ليالي رمضان عندما يهدأ الضجيج وتنام الطرقات، ويتوشح الليل بسكونه العميق، ينساب صوت دافئ يشقّ عتمة الديجور برفق: اصحى يا نائم.. وحد الدايم.

ذلك الصوت ليس مجرد نداء لإيقاظ الغافلين عن السحور؛ بل هو نبضُ ذكريات حية وحنين يتسلل إلى القلوب قبل الآذان، المسحراتي ليس رجلًا يطوف بالطرقات حاملاً طبلته فقط؛ بل هو رمز لزمن كانت فيه البساطة عنوانًا للحياة، وكانت الروابط بين الناس أقوى من الجدران التي تفصل بين بيوتهم.

كان يعرف أسماء الصغار قبل الكبار، وينادي كل بيتٍ باسمه، كأنه فردًا من العائلة ويشاركهم فرحة الشهر.

يا ترى، ماذا بقي من ذلك الصوت اليوم؟

في زمن المنبهات الإلكترونية والهواتف الذكية، هل ما زال لخطواته أثر في الأزقة، أم أصبحنا نستيقظ على رنين بارد لا يحمل روح ولا دعاء؟

كان المسحراتي يمشي بخطى هادئة، يوقظ النائمين ليس بعنف؛ بل بنداء لطيف يختلط فيه الدعاء بالرجاء، لم يكن يطرق الأبواب؛ بل يطرق الأفئدة يذكر الغافل، ويعين الصائم، ويبعث في الليل حياة طفيفة وخفية لا يدركها إلا من عاشها،، صوته كان رسالة طمأنينة تقول: ما زال بالليل خير، وما زال في الناس محبة، وما زال رمضان يجمعنا على نية وسفرة واحدة؛ فإن المسحراتي لم يكن وظيفةً بقدر ما كان رسالة، رسالة محبة كان يُعيد للحي روحه، ويجعل للوقت معنى؛ أما عن الأطفال ينتظرونه بلهفة خلف النوافذ ويزفون معه بكلماته التي تطرب الفؤاد قبل الآذان، والقلوب تدعو له سرًا، وهو يمضي في عتمة الطريق مستبشرًا، كأنما يحمل نورًا صغير يتحدى به الظلام؛ فيا حسرة على زمن كانت فيه الأصوات تنبع من البشر لا من الأجهزة، وكانت العلاقات تنسج بخيوط المودة لا بإشعارات التطبيقات.

المسحراتي لم يكن يوقظنا لتناول السحور فقط؛ بل كان يوقظ فينا شيئًا أعمق وأجل: إحساس الانتماء، وروح الجماعة، ودفء المشاركة في عبادة عظيمة؛ ربما تغيّر الزمن، وربما خفت صوته في كثير من الأحياء، لكن ذكراه باقية في وجدان كل من سمع نداءه ذات فجر بعيد،، سيبقى رمز لرمضان الجميل وأجوائه، وللقلوب التي كانت أكثر صفاء، ولليال كان فيها الدعاء أعلى من كل ضجيج.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *