الكاتب أنور الهاملي
في البدء كانت الكلمة… وكانت في السودان شجرةً وارفة، تمتد جذورها في طين النيل، وتعلو أغصانها في سماءٍ لا تحدّها الجهات. هناك، حيث يلتقي الأزرق بالأبيض، تولد الحكايات دافئةً كالشمس، وعميقةً كالنهر، صافيةً كقلب أمٍّ سودانية تدعو لولدها عند الفجر.
أقلام السودان ليست حبراً على ورق، بل نبضُ أرضٍ عرفت الصبر، وذاقت مرارة الغياب، ثم عادت فابتسمت. من بين السطور ينهض الوطن في هيئة قصيدة، وفي هيئة رواية، وفي هيئة صرخة حقٍّ لا تخاف. يكتب الأديب السوداني كأنه يغزل من الكلمات ثوباً من كرامة، ويزرع بين الجمل سنابل أمل لا تنحني.
وحين نقرأ لـ الطيب صالح نشعر أن القرية الصغيرة تتسع لتصبح وطناً كاملاً، وأن الإنسان – مهما ابتعد – يعود إلى جذوره كما يعود الطائر إلى عشه الأول. وحين نستمع إلى أشعار محمد مفتاح الفيتوري تتوهّج فينا إفريقيا بكل كبريائها، ويعلو صوت الحرية كطبولٍ في ليلة عرسٍ قديم.
جمال أقلام السودان أنها صادقة؛ لا تتكلّف الزينة، ولا تتعالى على البسطاء. تكتب عن الفقير كما لو كان بطلاً، وعن الأم كما لو كانت وطناً، وعن الوطن كما لو كان قلباً يخفق في صدر كل واحدٍ منا. فيها بساطة الماء، وقوة الطمي، وحنين المغترب الذي لا ينام إلا على ذكرى.
إنها أقلام تعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن الأدب رسالة، وأن الجمال لا يولد من الرفاه، بل من المعاناة حين تتحوّل نوراً. لذلك بقي الأدب السوداني شامخاً، كالنخيل على ضفاف النيل، يواجه الريح ولا ينكسر.
سلامٌ على أقلامٍ كتبت بالصدق فخلّدها الصدق، وسلامٌ على وطنٍ إذا ضاقت به الأيام اتّسع في دفاتر أبنائه. فالسودان، حين يكتب، لا يدوّن حروفاً… بل يكتب تاريخاً من كرامة، ويزرع في القلوب وطناً لا يغيب.
![]()
