...
IMG 20260110 WA0015

 

الكاتبه سارة أسامة النجار

 

ما رأيكِ في تمزيق رداء الرتابة، والغوص في لُجّة الذات بحثاً عن لآلئ الحقيقة؟ هكذا بدأنا.. في رحلة استنطاقٍ للأعماق، نلقي بمرساة الأسئلة في قاع الروح ليطفو ما ترسب من صدق. تضاحكنا، أجبنا، واستمتعنا، حتى انبرى سؤالها كجبلٍ هوى بغتةً فوق صدري: “هل سبق لكِ أن خذلتِ أحداً؟”

في تلك اللحظة، تجمد الزمان، ومرّ شريط الذكريات كإعصارٍ يبعثر أنفاسي. رأيتُ طفلةً في ردهات المدرسة، خذلتها رفيقةٌ بكذبةٍ بيضاء تركتها وحيدةً تجتر خيبتها بينما مضى القطار بالأخريات. ورأيتُ نفسي في أوج نجاحي، أقفُ حافيةً من الدعم، يتيمةَ التصفيق، بينما كان الضجيج حول غيري صاخباً. تذكرتُ مكائد الزملاء في عتمة المكاتب، وسموم الألسنة التي اغتالت براءة قلبي، وأولئك الذين اتخذوا من وجعي جسراً لأمانيهم، ثم قذفوا بي في بئرِ جحودهم دون التفاتة.

لقد تجرعتُ من كأس الخذلان ما يكفي لثمل البراءة وضياع ملامح المحبة البيضاء في غياهب التشكيك. لكنني اليوم، أرفضُ أن أرتدي ثوب “الضحية” الممزق، أو أن أستجدي اعتذاراً من قطيعٍ مضى.

لقد أدركتُ الحقيقة المُرّة: نعم، أنا خذلتُ أحداً.. خذلتُ أهمَّ أحد.

لقد خذلتُ نفسي في كل مرةٍ قتلتُ فيها “لا” الصادقة بـ “نعم” كاذبة قرباناً لإرضائهم. خذلتُ ذاتي حين أذبتُ قلاع حدودي، وسكبتُ قنطارَ ثقتي في كفٍّ لم تكن تستحق حتى ذرةً منها. خذلتُ روحي حين كتمتُ صوت حدسي العالي، وتشبثتُ بقلوبٍ بالية لا نبض فيها ولا وفاء.

اليوم، لا أرنو لأسفٍ من أحد، ولا أنتظر رد اعتبارٍ من أحد. أنا المدينُ والمستحق، أنا الخصمُ والحكم. لذا، سأكفُّ عن لوم العابرين، وألتفتُ لروحي التي أهملتها طويلاً، وأغمرها بعناقٍ يختصر حب الكون كله، ونمضي معاً.. أنا وذاتي، في صلحٍ لا ينكسر.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *