الكاتبه ملاك عاطف
“معظم الذين يهدّدون بالرّحيل يريدون فقط أن يُطلب منهم البقاء، أمّا الذين يريدون الرّحيل حقًّا، فهم يرحلون دون تهديد”.
يتركون المحبّة باهتة، وينثرون بقايا الابتسامات على أرض النكران بذات اللامبالاة التي يرمي بها مدخّنٌ شرهٌ سيجارته، ينثرونها لتذروها القطيعة أو ليدوسها الجفاء بنعل الرّحيل المُدبّب.
وتعلقُ أشواك الصدمة في حريريّة الخواطر، حتّى ينسلخ عنها طيبُها، وتتكوّم طحينًا مهيّأً للعجن بأيدي المزاح الجادّ!
ليت الراحلين ينسون عندنا حقائب القرب والأشواق، ليتهم ينامون ليلتهم الأخيرة على فُرُش البدايات، ويلتحفون حلاوة الأحاديث الأولى، ويُوسّدون رؤوسهم الشغف المحشوّ باللهفة والخفّة والطفولة؛ ليصبحوا عادلين عن الانسحاب إلى رقعة المجهول القاحلة، لتصبح أيّامنا سيّدة ذاكرتهم، وجليسة مخيّلتهم، وحبيبة غدهم العابر من بوّابة الرحيل!
ويسرح الفكر في البعيد، يركض كالجواد في أرض الوهم الخصبة، ثم يُجفِله صوت شجار التمنّي والواقع، ويتظاهر بأنّه يستريح من الركض، وأنه لم يسمع شيئًا، ثم يطلق تنهيدةً من علقم حين يخيّم ثقل المستحيل على براعم الأماني، ويجثم على روح الأمل فيها حتى تموت.
![]()
