...
70a8422386247c26fe6acc3502def20a

بقلم / د.فتحى عبدالحميد.

 

لم يكن يبحث عن حب عابر، بل عن ملاذ… عن صدر يضع عليه رأسه فيصمت العالم. وحين وجدها، لم ير فيها امرأة فحسب، بل وطناً. كانت عيناها تشبهان مساءً هادئاً لا عواصف فيه، وكانت كلماتها كأنها تربت على قلبه كلما اضطرب.

 

وثق بها…

لا، أكثر من ذلك، سلمها مفاتيح ذاته كلها. وهو يظن أنه لم يتخذ قراراً، بل عاد إلى مكان خلق له. ومع الأيام، لم يعد يخفي عليها شيئاً..

صار يفتح لها أبواب روحه واحداً تلو الآخر، دون حذر، دون ارتياب.

 

كان يحدثها عن ماضيه، عن تلك اللحظات التي كسر فيها ولم يره أحد. عن أحلامه التي لم يجرؤ يوماً أن ينطق بها. عن مخاوفه الصغيرة التي كان يخجل منها، وعن ضعفه الذي كان يخبئه حتى عن نفسه.

 

كان يسكب أمامها كل ما كان وما يتمنى أن يكون، ما يقدر عليه وما يعجز عنه، حتى لم يبق في داخله ركن لم تمسه.

 

كانت تنصت…

ثم مع الوقت .. لم تعد تنصت كما كانت.

 

تبدل شيء خفي، شيء لا يرى لكنه يحس كما يحس البرد في أطراف الأصابع قبل أن يرتجف الجسد كله.

نظرتها لم تعد تلك النافذة التي تطل على الأمان، بل صارت مرآة باردة تعكسه دون أن تحتضنه. كان يلمح فيها شيئاً آخر… شيئاً يشبه امتلاك العارف بكل شيء، لا دفء الشريك الذي يشاركك المجهول.

 

تشبعت به… أو منه .. هكذا شعر.

كأن كلماته التي كانت تهمس لها صارت ضجيجاً، وكأن روحه التي كانت مأوى لها أصبحت عبئاً تعرف تفاصيله أكثر مما ينبغي.

 

وهنا … ولد ذلك الشعور الغريب.

 

لم يعد الأمان كما كان. لم يعد دفئاً، بل صار سؤالاً بارداً يزحف في داخله:

 

ماذا لو…؟

 

ماذا لو أن كل ما قاله، كل ما كشفه، أسقط ورقة التوت عنه ؟ بعد أن صار في يد أخرى قد لا ترحم… إذا ما تغيرت أو تنكرت أو تبدلت النوايا ؟ ماذا لو غدرت؟ ماذا لو خانت؟ ماذا لو هان كل ما كان بينهما في لحظة عابرة؟

 

فجأة…

أدرك أنه لم يضع قلبه فقط بين يديها، بل وضع نفسه كاملة… عارية من كل دفاع، مكشوفة بلا ستر.

 

أدرك أنه لم يحسب لتلك اللحظة التي يصبح فيها الإنسان أسيراً لما أفصح به، لا لما أخفاه.

 

تبدل الأمان إلى خوف.

 

الخوف من معرفة زائدة، من قرب تجاوز حده، من ثقة لم تترك له شيئاً يحتمي به إن تبدل الوجه، أو تغير القلب، أو انطفأ ما كان يضيء.

 

صار يخاف منها… لا لأنها مخيفة بل لأنها تعرف.

 

وهنا كانت المفارقة القاسية:

أن أكثر ما منحته الطمأنينة يوماً صار هو ذاته مصدر القلق.

وأن الحضن الذي احتمى به هو نفسه الذي أدرك متأخراً أنه لو انقبض… لن يجد له ملجأً آخر.

 

ومن بين هذا كله لم يبق في داخله إلا صدى سؤال واحد يتكرر في صمت موجع:

هل كان الأمان وهماً جميلاً… أم أن الخوف هو الحقيقة ؟

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *