...

وجوه

أبريل 12, 2026
IMG 20260408 WA0119

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

غرفة مظلمة جدران سوداء ينحدر من عليها،

خطوط رفيعة حمراء اللون، لا تعلم ما كينونتها بعد،

أهي تعكس إحساسها؟! أم أن طبيعتها التي وجدت عليها؟!

وجوه شاحبة تظهر لها في صحوها ونومها، خيالات تمر سريعًا ذهابًا وإيابًا في لمح البصر، تتلفت حول نفسها في جميع الاتجاهات، تتضح ملامحها بمرور الوقت، لا تدرك لما كل هذا، أهو مرض عقلي عضال؟ أم شيء آخر.

 

 

بدأ الخوف يتسلل إلى عظامها كبرد الشتاء القارس، لم تعد الجدران مجرد جماد يحيط بها، بل غدت كيانًا يتنفس معها. تلك الخطوط الحمراء الرفيعة التي كانت تنحدر ببطء بدأت تتشعب، كأنها أوردة دقيقة تضخ حياةً غريبة في سواد الغرفة. هل هي دماء الذاكرة التي تنزف؟ أم أنها انعكاس لتمزقات روحها التي لم تعد تلتئم؟

 

 

في الزاوية، حيث يلتقي السقف بالأرض في زاوية حادة، بدأت الوجوه الشاحبة تأخذ شكلًا أكثر ثباتًا. لم تعد مجرد خيالات عابرة، بل أصبحت ملامح تعرفها؛ أعينٌ غائرة تنظر إليها بعتاب صامت، وأفواهٌ تتحرك دون صوت كأنها تغرق في محيط من العدم. حاولت إغماض عينيها، لكن الصور ظلت محفورة خلف جفونها، نابضة بالرعب.

 

 

“هل أنا من يصنعهم؟” سألت نفسها بصوت مرتعش تاه في صدى الغرفة.

لم تكن تدري إن كان عقلها قد قرر أخيرًا الانفصال عن الواقع ليخلق عالمه الخاص كآلية دفاع ضد ألم قديم، أم أن الحجاب بين العوالم قد رقّ حتى كاد يتلاشى. أهو مرض عقلي عضال ينهش في خلايا منطقها؟ أم أن الغرفة هي “برزخ” زمني علقت فيه، حيث تتجسد مخاوف المرء أمام ناظريه؟

فجأة، توقفت الخيالات عن الحركة السريعة. وقفت الوجوه في صف واحد، ممتدة من الأرض حتى السقف، وجلدها الشاحب يلمع تحت ضوء غير مرئي. اقترب منها وجهٌ كان يشبه وجهها إلى حد مخيف، لكنه كان يخلو من أي بريق للحياة. لمست تلك الخيالات جدران الغرفة، فامتزج بياض أيديهم بحمرة الخطوط النازلة، ليرسموا معًا لوحة

أدركت حينها حقيقتين مرّتين:

أن هذه الغرفة ليست مكانًا جغرافيًا، بل هي القبو المظلم في وعيها الذي تكدست فيه الصدمات.

أن الخطوط الحمراء ليست إلا الروابط التي تجمع بين كل ذكرى أليمة ووجه غائب.

رلم تعد تلتفت حول نفسها في ذعر، بل سكنت. وقفت في منتصف السواد، وسمحت للخطوط الحمراء أن تقترب منها. لم تكن دماءً، ولم تكن صبغة؛ كانت شعورًا خامًا بالخسارة. وبدلًا من الهرب، مدّت يدها لتلمس أحد تلك الوجوه الشاحبة. في تلك اللحظة، تحولت الملامح القاسية إلى ملامح حزينة، وبدأ السواد يبهت ليتحول إلى رمادي فاتح.

 

 

إن ما نراه في الظلام ليس دائمًا “شيطانًا” يتربص بنا، أحيانًا يكون ببساطة جزءًا منا خاف من الضوء فاستوطن الظل. لم يكن مرضًا عقليًا بالمعنى الطبي، بل كان “مخاضًا” لروح تحاول استعادة شتاتها.

 

 

ومع أول خيط من خيوط الفجر الحقيقي الذي تسلل من ثقب صغير في السقف، بدأت الوجوه بالذوبان كالدخان، وتلاشت الخطوط الحمراء لتترك خلفها جدرانًا عارية.

 

 

بقيت هي وحيدة، لكنها لم تعد خائفة؛ فقد علمت أخيرًا أن الوحوش التي تسكن غرفنا المظلمة تتغذى على هروبنا، وتصغر كلما قررنا أن ننظر في أعينها مباشرة.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *