...
IMG 20260505 WA0047

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

مقبرة الزهور: حيث تذبل الألوان في حضن الظلام

في قلب غابة كثيفة، حيث تتشابك أغصان الأشجار العملاقة كأنها أصابع عملاق متحجر، يقبع قصر قديم مهيب. واجهته الحجرية الرمادية الباهتة، المليئة بالثقوب والشقوق، تبدو كوجه عجوز قد شهد أهوالًا لا حصر لها. أبوابه الضخمة المغلقة، المزينة بنقوش غامضة، توحي بأن شيئًا ما يختبئ خلفها، شيئًا مظلمًا وغامضًا.

يُحكى أن هذا القصر، الذي يُطلق عليه اسم “قصر الظلال”، كان مسكنًا لساحر عظيم، عاقبه الله على كبريائه وغروره بأن جعله أسير قصره، محاطًا بالظلام الدامس الذي خلقه بيديه. ومنذ ذلك الحين، لا يتجرأ أي مخلوق على الاقتراب من القصر، مخافة أن يصيبه مكروه.

لكن، في أحد الأيام، ضلت مجموعة من الزهور الجميلة الرقيقة، التي تحمل ألوان قوس قزح، طريقها في الغابة. كانت تبحث عن مكان مشرق وآمن لتنمو فيه، لكنها وجدت نفسها في مواجهة قصر الظلال. لم تدرك الزهور الخطر الذي يحدق بها، فمظهر القصر، على الرغم من كآبته، كان يثير فضولها.

اقتربت الزهور من الأبواب الضخمة، ودخلت عبر شق صغير. في البداية، لم تشعر بأي تغيير، لكنها سرعان ما لاحظت أن شيئًا غريبًا يحدث. بدأت ألوانها الزاهية تتلاشى، وتتحول تدريجيًا إلى اللون الأسود القاتم. حتى أوراقها الخضراء النضرة، التي كانت تتدلى بغطرسة، أصبحت سوداء وباهتة.

أصيبت الزهور بالذعر، وحاولت الخروج من القصر، لكن الأبواب كانت قد أُغلقت بإحكام. حاولت أن تصرخ، لكن صوتها لم يكن مسموعًا، فقد أصبح كأنه همس خافت. حتى رائحتها العطرة، التي كانت تملأ الهواء، اختفت، وحل محلها رائحة العفن والموت.

بمرور الوقت، تحولت الزهور الجميلة الرقيقة إلى زهور سوداء وباهتة، تشبه تمامًا الزهور التي تنمو في مقبرة مهجورة. أصبحت جزءًا من قصر الظلال، محاطة بالظلام الدامس الذي يسيطر عليه. حتى الذكريات الجميلة، التي كانت تحملها عن حياتها السابقة، تلاشت، وحل محلها شعور باليأس والوحدة.

وهكذا، أصبحت الزهور مقبرة للزهور، تذكارًا دائمًا بأن الجمال والرقة لا مكان لهما في عالم يسوده الظلام. حتى اليوم، يُحكى أن في قصر الظلال تنمو زهور سوداء وباهتة، تشبه تمامًا الزهور التي ضلت طريقها في الغابة. قد تكون هذه الزهور تذكيرًا بالماضي، أو قد تكون تحذيرًا للمستقبل، لكن في كلتا الحالتين، فإنها شاهدة على أن الظلام يمكن أن يلتهم كل شيء، حتى أجمل الأشياء.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *