...
IMG 20260510 WA0033

كتبت: المحبة لله 

 

 

هناك أشياء كثيرة نعجز عن قولها ليس لأننا لا نملك الكلمات؛ بل لأن ما بداخلنا أكبر من أن يُحاصر في جمل مشاعر تتكدّس، وحكايات تتأجل، وأفكار تبقى معلّقة بين القلب واللسان لا تجد طريقها إلى الخارج.

 

 

كبرت وأنا أحمل داخلي هذا الزحام الصامت أريد أن أتكلم؛ لكنني في كل مرة أشعر أنني لن أقول كل شيء، وأن ما سيقال ليس سوى جزء بسيط من الحقيقة.

 

حاولت مرارًا أن أشرح نفسي للآخرين، أن أكون واضحًا، صريحًا، مفهومًا؛ لكنني كنت أخرج من كل محاولة بشعورٍ ناقص.

 

 

كأنني لم أُرَ كما أنا، أو كأن شيئًا مني بقي عالقًا في الداخل لم يصل إليهم ليس لأنهم سيئون؛ بل لأن هناك مساحات في الإنسان لا يراها إلا من خُلق ليكون جزءًا منه.

 

 

 

ومن بين كل الوجوه، وكل العلاقات، وكل الكلمات التي قيلت كانت أمي وحدها الاستثناء.

 

هي لا تحتاج إلى حديث طويل ولا إلى تفسير مفصل يكفي أن تنظر إليّ، فتفهم..

 

 

تفهم ما وراء ملامحي، وما خلف صمتي، وما أخفيه حتى عن نفسي أحيانًا كأن بيني وبينها لغة لا تدرس ولا تكتسب بل تولد معنا منذ البداية.

 

أمي ليست مجرد إنسانة في حياتي؛ بل هي الجذر الذي أنبتني والظل الذي احتميت به واليد التي أعادتني إليّ كلما شعرت أنني أضيع.

 

 

هي التي شكّلتني بصمتها قبل كلماتها، وبحنانها قبل نصائحها وبوجودها قبل أي شيء آخر.

 

 

قربها لا يُشبه أي راحة أخرى هو ليس مجرد شعور بالاطمئنان؛ بل حالة من السكون الداخلي، كأن العالم يتوقف قليلاً فقط لأتنفس.

 

 

معها لا أحتاج أن أكون نسخة مثالية من نفسي، لا أرتّب كلماتي، ولا أختار مشاعري.

 

لا أخفي ضعفي، ولا أزيّف قوتي أكون كما أنا تمامًا، دون خوف من أن يساء فهمي أو أن يُؤخذ عليّ شيء.

 

 

هي المساحة الوحيدة التي لا أُحاسَب فيها على صدقي، ولا أجبر فيها على التظاهر.

 

 

وعندما تغيب، حتى لو كان غيابًا بسيطًا أشعر أن شيئًا داخلي قد اختل أن الهدوء لم يعد كما كان، وأنني بحاجة إلى تلك النظرة التي تعيدني إلى نفسي.

 

 

 

وجودها لا يغيّر العالم من حولي،

لكنه يغيّرني أنا يجعلني أكثر تماسكًا أكثر قدرة على المواجهة، وأكثر إيمانًا أن كل شيء يمكن احتماله طالما هي بخير.

 

 

وكلما أثقلتني الحياة أعود إليها؛

لا لأنني لا أستطيع المواجهة، بل لأنني أعرف أنني سأجد عندها ما يُعيد ترتيب فوضاي.

 

 

أجلس معها وأتحدث بلا ترتيب، بلا خوف، بلا تردد أحكي كل شيء وأحيانًا لا أحتاج أن أحكي أصلًا يكفي أن أكون بقربها فتفهم.

 

 

 

ولعل أجمل ما في الأمر أنني معها لا أشعر أنني مطالب بأن أكون واضحًا؛ هي ترى ما لا أراه أنا، وتفهم ما أعجز عن تفسيره لهذا حين يقال :” إن هناك من يفهمك دون أن تتكلم” أعرف تمامًا من يُقصد.

 

إنها أمي التي لم تكن يومًا مجرد جزء من حياتي؛ بل كانت الحياة نفسها، حين تضيق والملجأ حين تتعب الطرق،

والصوت الهادئ حين يعلو ضجيج العالم؛ هي التي أجد عندها نفسي، كلما شعرت أنني فقدتها أو أنها ليست معي أو بالقرب مني.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *