...
IMG 20260511 WA0020

بقلم / د. فتحى عبدالحميد 

 

 

في الأمم الحية لا يترك العلم واقفاً على أبواب المؤسسات يستأذن الدخول ……

ولا يترك الباحث الذي أفنى زهرة عمره بين الكتب وأضنى عينيه تحت ضوء المراجع وجف حبر قلمه فوق أوراق الرسائل العلمية ليقف في نهاية الرحلة يسأل : أين مكاني في وطني؟

 

في الأمم الحية حين يولد عقل استثنائي تحتفي به الدولة كما يحتفي الزارع بأخصب مواسمه… لأن العقول ليست أرقاما في ملفات ولا شهادات تعلق فوق الجدران بل هي ثروات استراتيجية وكنوز وطنية وخط الدفاع الأول في معركة البناء والتنمية.

 

لكن المؤلم … والمؤسف … والمثير للأسى والدهشة معا … أن نجد في وطن بحجم مصر مهد الحضارة ومنارة العلم وأرض الجامعات العريقة آلافا من حملة الماجستير والدكتوراه ومعهم أوائل الخريجين يقفون منذ سنوات طويلة على أمل صدور القرار …

يحملون بين أيديهم شهادات التفوق وقلوبهم على حافة الانهيار … بينما يحمل غيرهم مفاتيح الأبواب الخلفية دون حاجه للانتظار …

 

أي مفارقة أقسى من أن يصبح صاحب الكفاءة يبحث عن فرصة… بينما يجدها من لا يملك إلا الوساطة ؟؟؟

وأي جرح أعمق من أن يتحول التفوق العلمي من وسام استحقاق … إلى عبء نفسي واجتماعي يطارد صاحبه كل صباح؟

 

هؤلاء لم يطلبوا امتيازا … ولم يسعوا إلى منحة … ولم يمدوا أيديهم طلبا لإعانة… بل طالبوا فقط بحقهم الطبيعي والدستوري والأخلاقي …

حقهم في أن ترد لهم الدولة بعض ما بذلوه لها من عمر وأن تستثمر فيهم كما استثمروا هم في أنفسهم .

 

إن قضية حملة الماجستير والدكتوراه ومعهم أوائل الخريجين ليست قضية أفراد يبحثون عن وظيفة … بل قضية وطن يبحث عن مستقبله.

 

فالدولة التي تهمل علماءها … كمن يملك الماء ثم يموت عطشا .

والدولة التي تترك أصحاب الكفاءة خارج مؤسساتها … كمن يملك المصابيح ويصر أن يسير في الظلام .

 

ولسنوات طويلة سمعنا الحجة ذاتها تتكرر :

الجهاز الإداري لا يتسع… الموازنات لا تسمح…

الظروف الاقتصادية لا تحتمل.

 

لكن الحقيقة الصلبة التي لا تستطيع الشعارات أن تغطيها أن هذه الحجة فقدت صلاحيتها منذ زمن.

بل وضحدتها التقارير ..

 

كيف يقال إن الجهاز الإداري لا يتسع … بينما الواقع نفسه يصرخ بعجز صارخ في قطاعات حيوية؟

كيف يقال لا توجد أماكن… بينما الاف المواقع أصبحت شاغرة بخروج أصحابها إلى سن المعاش؟

كيف يقال لا توجد احتياجات… بينما المواطن يلمس يوميا أثر نقص الكوادر على جودة الأداء الحكومي وبطء الخدمات وتراجع الكفاءات ؟

 

إن أجهزة الدولة اليوم لا تعاني من التخمة… بل تئن من الفراغ.

 

لا تختنق بكثرة الموظفين… بل تتوجع من غياب أصحاب التأهيل الحقيقي .

 

والأهم من ذلك كله… أن القضية ليست مالية من الأصل.

 

فنحن لا نتحدث عن اختراع درجات وظيفية جديدة ولا عن خلق كيانات لم تكن موجودة ولا عن تحميل الخزانة أعباء استثنائية … بل نتحدث عن تسكين طبيعي في أماكن كانت مشغولة بالفعل ثم أصبحت شاغرة وعن سد فجوات قائمة وعن استثمار بنية وظيفية موجودة أصلا .

 

فأي عبء مالي في أن تملأ مقعدا خاليا ؟

وأي منطق اقتصادي في أن تترك المكتب فارغا بينما صاحبه الجديد ينتظر خارج الباب منذ عشر سنوات ؟

 

إن المشكلة الحقيقية لم تكن يوما في الإمكانية بل كانت ولا تزال في القرارات الإدارية.

 

المشكلة ليست في المال … بل في الإرادة.

ليست في الموارد… بل في الإدارة.

 

فمن غير المقبول ونحن نعيش عصر الحكومة الرقمية والتحول الإلكتروني وقواعد البيانات الذكية أن يظل ملف الحصر يدور في متاهات الورق ويتعثر بين اللجان ويتنقل بين المكاتبات منذ صدور القرارين الإداريين 1974 و 3021 لعام 2021 وحتى هذه اللحظة . وكأننا ما زلنا نعيش في زمن الدفاتر الجلدية والأختام الشمعية.

 

ما كان يجب لقاعدة بيانات وطنية أن تحتاج سنوات لتكتمل . بينما يفترض أن تحدث دوريا وتستخرج في ساعات.

 

إن التأخير هنا ليس عجزا تقنيا… بل تردد إداري.

وليس نقصا في الأدوات… بل غيابا في الحسم.

 

وفي الوقت الذي يقال فيه للكفاءات :

انتظروا…

 

لا تزال السوق السوداء للتعيينات تمد أذرعها في الظلام ولا تزال الأبواب الخلفية تفتح لمن يعرف الطريق لا لمن يستحق المكان .

 

حتى كاد البعض يظن بمرارة لا مبالغة أن الوظيفة العامة لم تعد تنال بالعلم … بل بـ البرطلة وبشبكات النفوذ وبالشللية العائلية وبمراكز القوى المغلقة.

والايادى الخفية .

 

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية…

 

حين يشعر المتفوق أن تفوقه لا يكفي .

وحين يدرك الباحث أن رسالته العلمية أقل نفوذا من بطاقة تعريف شخصية.

وحين يكتشف أوائل الخريجين أن ترتيبهم لا يمنحهم حتى حق الدخول إلى قائمة الاحتياط .

 

أي رسالة نرسلها للأجيال القادمة حين يحدث ذلك؟

أن اجتهدوا … أم ابحثوا عن واسطة؟

أن تفوقوا … أم ابحثوا عن باب خلفي؟

 

إن الجمهورية الجديدة التي ترفع راياتها على أساس العلم والعمل والكفاءة لا يستقيم معها أن يبقى أصحاب العلم خارج المشهد .

 

لا يليق بجمهورية تبني المدن الذكية وتؤسس للمستقبل أن تبقي عقولها في طوابير الانتظار .

ولا يليق بدولة تسابق الزمن أن تعطل أبناءها بعقلية الأمس.

 

إن تعيين حملة الماجستير والدكتوراه وأوائل الخريجين ليس منة … بل رد اعتبار.

ليس عبئا… بل استثمار.

ليس مطلبا فئويا… بل ضرورة وطنية.

 

بل إن الواجب لا يقتصر على التعيين وحده… وإنما يمتد إلى جبر الضرر النفسي والمهني والاجتماعي الذي أصاب أجيالا كاملة عاشت أكثر من عقد من الانتظار … عشر سنوات عجاف تجاوزت في قسوتها كل ما يمكن احتماله.

 

كما أن التعيين لا يجوز أن يختزل في جهات بعينها بينما تغلق قطاعات أخرى كأنها إرث عائلي أو نواد مغلقة أو مناطق نفوذ لا يدخلها إلا أصحاب المفاتيح الخاصة.

 

الوطن ليس عزبة…

والوظيفة العامة ليست ميراثا…

ومؤسسات الدولة ليست دوائر مغلقة.

 

إن أبناء الوطن الحقيقيين… حملة راية العلم… أولى بمقاعد الدولة من كل شبكات المصالح العابرة.

 

لقد آن الأوان أن تفتح الأبواب … لا النوافذ الخلفية.

أن يتقدم المستحق … لا المتصل.

أن ينتصر العلم … لا النفوذ.

 

فالأماكن موجودة .

والعجز قائم .

والكوادر جاهزة .

والإمكانات متاحة .

 

ولم يعد ينقصنا سوى القرار .

 

قرار يعيد للعلم هيبته .

وللوطن بوصلته .

وللكفاءة مكانها الطبيعي .

 

فالجمهورية الجديدة لا تبنى بالإسمنت وحده …… بل بالعقول .

ولا تصان بالقرارات فقط … … بل بالعدل .

 

وكفى إهدارا للثروة البشرية .

وكفى انحدارا لقيمة العلم .

وكفى تأجيلا لحقوق أبناء الوطن الذين حملوا مشاعل المعرفة . بينما تركوا طويلا في الظلام .

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *