الكاتبة عاليا عجيزة
القصة تبدأ من حقيقة مأساوية: الطفلة في الصورة “إيلين” كانت فتاة حقيقية في أواخر القرن التاسع عشر، ووالدها كان ساحرًا مهمًّا.
لم يكن الخشب الذي صُنعت منه تلك اللوحة عاديًّا؛ لقد قُطع من جذع شجرة مشنقة قديمة هجرها الأحياء منذ قرون، ونُقع في ماء راكد لسبع ليالٍ تحت قمر محاق، حتى تشرّبت عروقه رائحة الموت. على تلك الطاولة المتآكلة في قبو قصر عائلة “فاندربيرغ”، كانت الشموع تبكي شمعًا حارًّا يمتزج بغبار السنين، بينما يجلس الكيان الأصغر في تلك العائلة الملعونة: الطفلة “إيلين”.
من يراها من بعيد يظنها دمية من الخزف الفاخر؛ بشرتها شاحبة، بياضها كافوري، وضفائرها السوداء القاتمة تدلّت على كتفيها بفعل شريطين من الحرير الأسود. لكن عينيها… عينيها المتسعتين بجنون لم تكونا عيون دمية. كانت حدقتاها متسعتين لدرجة ابتلعتا البياض كله، محاطتين بهالات رمادية داكنة، كأنما رأت الجحيم في سن السابعة، وجمدت ملامحها عنده. لم تكن “إيلين” طفلة عادية، بل غدت “الوعاء”.
قبل عامين، عندما تملّك المرض من جسد والدها، الساحر العاتي “أرثر فاندربيرغ”، لم يتقبل فكرة الفناء. كان السحر الأسود يجري في دمائه كالنمل الأسود، ولأن هذا النوع من السحر لا يمنح خلودًا مجانيًّا، فقد طلب الثمن الأغلى: براءة بكرة أبيها. قدّم “أرثر” روح ابنته قربانًا لكيان سفلي يُدعى “الظل الرمادي”، مقابل أن يسكن هذا الكيان جسدها الصغير، ويمنح الأب حيوية متجددة. ماتت الطفلة إيلين إكلينيكيًّا، وولدت هذه المسخ الخزفية التي تجلس الآن خلف اللوحة.
كانت أصابعها الصغيرة مكسوة بقفازات من الجلد الأسود الممزق عند الأطراف، مثبتة بقوة فوق “البلانشيت”، أو القطعة الخشبية المخصصة لتحريك الحروف. لم تكن الطفلة تحرك القطعة، بل كان الكيان القابع في أحشائها هو من يدفع عظامها الصغيرة دفعًا.
في هذه الليلة، دخل القبو شخص غريب. كان “يوسف”، باحثًا في الآثار والعلوم المحرمة، قادته المخطوطات القديمة إلى هذا المكان المهجور في أطراف المدينة. كان يظن نفسه مستعدًّا، متسلحًا بكتب الحماية والتمائم، لكن بمجرد أن وطأت قدمه عتبة الغرفة، شعر بالهواء يثقل في صدره، كأنه يتنفس رصاصًا ذائبًا.
التقت عيناه بعيني “إيلين”. لم تتحرك الطفلة، ولم تنطق بكلمة. شفتيها الصغيرتين الملطختين بحمرة داكنة كدم جاف ظلتا مغرقتين في الصمت. خلفها، في عتمة السلم المهجور، كان هناك ظل بشري مشوه، ضخم ولامادي، يتحرك ببطء، كأنه دخان يراقب المشهد بمتعة سادية. إنه الظل الرمادي… الحارس الفعلي للعقد.
“مَن أنتِ؟” سأل يوسف، وصوته يرتجف رغمًا عنه.
لم تجبه الطفلة بالصوت، بل تحركت أصابعها فجأة بحركة ميكانيكية حادة ومتشنجة. تحركت القطعة الخشبية فوق اللوحة المصنوعة من السحر الأسود. أصدر الخشب صريرًا حادًّا مزق سكون القبو. تتبعت عين يوسف حركة القطعة وهي تقف عند الأحرف تلو الأخرى:
A… S… H… E… S
(رماد).
“رماد؟ ما الذي يعنيه هذا؟” همس يوسف، متراجعًا خطوة للخلف.
في تلك اللحظة، انطفأت الشمعة الأولى على يسار الطاولة من تلقاء نفسها، وتصاعد منها دخان أسود برائحة الكبريت. أدرك يوسف فجأة قواعد اللعبة المرعبة؛ فاللوحة ليست أداة لاستدعاء الموتى كما يشاع في قصص العامة، بل هي أداة الطقس السحري نفسه. إنها بوابة تُفتح بحروف ملعونة، وكل كلمة تكتمل هي قفل ينفتح ليتيح للكيان التهام جزء من روح الحاضر. الشموع الست المشتعلة حول الطاولة هي مقياس الوقت المتبقي له قبل أن يتم التهام روحه بالكامل، ليتحول إلى ظل آخر يضاف إلى خلفية الغرفة.
تحركت القطعة مجددًا بسرعة أكبر، هذه المرة بعنف جعل أظافر الفتاة المخفية تحت الجلد الأسود تخدش الخشب. تجمعت الأحرف:
D… I… E
(مُت).
انطفأت شمعتان معًا. انخفضت الإضاءة في القبو، واقترب الظل الرمادي في الخلفية خطوة أخرى، وبدت ملامحه المضببة كأنها تتشكل على هيئة وجه والدها الراحل، متبسمًا باستهزاء.
شعر يوسف بركبتيه تضعفان، وبدأ عقله يغيب. حاول تلاوة تعاويذ الحماية، لكن الكلمات طارت من رأسه. نظر إلى وجه الطفلة الخزفي، ولأول مرة، لاحظ تفصيلًا دقيقًا: من مآقي عينيها السوداوين كانت هناك دموع حقيقية شفافة تسيل ببطء، تشق طريقها فوق مساحيق الوجه الداكنة.
الطفلة لم تكن شريرة؛ روحها الحبيسة بالداخل كانت تصرخ متألمة، مجبرة على أن تكون الأداة التي يقتل بها الشيطان ضحاياه.
تحركت القطعة للمرة الأخيرة، لكن هذه المرة بدت الحركة أبطأ، كأن هناك مقاومة داخلية بين أصابع الطفلة والكيان الذي يوجهها. تحركت نحو الأسفل، بعيدًا عن الأحرف والأرقام، متجهة مباشرة نحو الحافة السفلية للوحة، حيث كُتبت العبارة الحاسمة بخط عريض:
GOOD BYE
(وداعًا).
إذا وصلت القطعة إلى “الوداع”، سينتهي الطقس وتغلق البوابة، وينجو يوسف. لكن الكيان أدرك المقاومة، فبدأت أصابع الطفلة تتلوى وتصدر أصوات تكسر العظام الصغيرة داخل القفازات الجلدية. أطلقت الطفلة صرخة صامتة، وفتحت فمها لتخرج منه ريح باردة أطفأت الشمعة الرابعة والخامسة.
ولم يتبقَّ سوى شمعة واحدة تحتضر.
استجمع يوسف آخر ما يملك من قوة إرادة، وبدلًا من الهرب، اندفع نحو الطاولة، ومد يده المرتجفة ليضعها فوق يدي الطفلة الصغيرة المكسوة بالجلد الأسود. لمس برودة الموت في جسدها، لكنه ضغط بكل قوته، مساعدًا روحها الصغيرة على دفع القطعة الخشبية نحو كلمة الوداع.
انطفأت الشمعة الأخيرة… وحل ظلام دامس.
في العتمة المطلقة، سُمع صوت تمزق قوي، تلاه تنهيدة طفلة صغيرة بدت حرّة لأول مرة منذ سنوات. عندما أشعل يوسف عود ثقاب بعد ذلك بثوانٍ، لم يجد أحدًا على الكرسي. كانت الملابس الدانتيل البيضاء القديمة ملقاة هناك، وفوقها القفازات الجلدية السوداء، بينما تحولت لوحة الويجا الخشبية إلى كومة من الرماد البارد. أما الظل في الخلفية… فقد اختفى تمامًا مع أول خيط نور بزغ من شقوق السقف.
![]()
