الكاتب عاشق الرعب
هذه الرواية لم تكتمل.
لن تكتمل أبدًا.
لأن الرعب الحقيقي ليس في الوحش الذي يهرب من المختبر.
الرعب الحقيقي في أننا جميعًا نسمع أصوات من نحبهم في الظلام…
ونخاف أن نكتشف أن هذه الأصوات لم تأتِ من قلوبهم.
القاهرة، ليلًا… حيث لا تنام الأمهات.
النداهة
كانت جدتي تقول لي دائمًا: «لو سمعتِ النداهة جنب الترعة ليلًا، اضربي ودنك في الأرض، ولا تلتفتي. صوتها مش مزمار، صوتها الموت بيزق.»
كنت أضحك. ظننتها حكاية تخيف بها الأطفال.
لكن في تلك الليلة… ليلة العتمة الكاملة، وأنا عائد من عند خالي، اتخذت الطريق المختصر على شاطئ الترعة. كان القمر خافتًا، والضباب كثيفًا لدرجة أني لم أرَ أبعد من خطوتي.
وفجأةً… سمعتها.
ليست غناءً ولا عويلًا، بل شيء بينهما، وكأن صوتًا يخرج من بئر لا قاع له. نداءً باسمي، باسمي أنا.
«أحمد… تعال… تعال يا أحمد…»
توقفت. اقشعر بدني. أردت أن أضرب أذني بالأرض كما قالت جدتي، لكن قدمي تجمدت. لا، ليست قدمي؛ بل شيء شد كاحلي من تحت الماء.
نظرت إلى الأسفل.
يد… طويلة، زرقاء، كأنها مصنوعة من طين وقصب، لكن أظافرها صلبة وطويلة مثل المخالب. كانت تخرج من الترعة ببطء، وتلتف حول كاحلي كالثعبان.
رفعت رأسي مذعورًا.
هي هناك.
تخرج من الماء لا يبللها. جسدها نصف عارٍ، مغطى بالطمي، وشعرها الأسود يتدفق كأنه حي. عيناها… يا إلهي… عيناها ليستا عينين، بل فراغان داكنان يبدآن في الاتساع.
وفمها مبتسم، وأسنانها مدببة وليست كأسنان البشر.
«إيه يا أحمد؟ مش كنت بتضحك عليّ؟ تعالى أحضنك… من يوم ما كنت طفل صغير وأنت بتهرب مني.»
أردت الصراخ، لكن صوتي مات. أردت الجري، لكن رجلي أصبحت في الماء حتى الركبة.
فجأة… رأيت.
النداهة لم تكن وحدها. تحت سطح الترعة، خلفها… أطفال، كثيرون. وجوههم شاحبة كالثلج، وأعينهم زرقاء باهتة. كانوا غارقين حتى الصدور، لكنهم كانوا يبتسمون، ويشيرون إليّ ببطء.
كانوا يرددون معها بصوت واحد:
«تعال… تعالى للنداهة… نغني سوا… تحت المية نلعب سوا… نغني لحد ما ترتاح…»
تملكني الرعب. في تلك اللحظة، وبقوة لا أعرف مصدرها، ضربتُ أذني بقوة على الأرض.
انقطعت الأصوات فجأة.
نظرتُ إلى قدمي. كانت اليد لا تزال ملفوفة حول كاحلي، لكنها بدأت تذوب… وتتحول إلى طين أسود سائل.
سحبت رجلي بسرعة، وقمت أركض. لم أنظر خلفي، ولم أتوقف حتى دخلت بيت جدتي.
قالت لي جدتي حين رأتني مبللًا وشاحبًا: «سمعتيها، صحيح؟ ألف سلامة على روحك. معظم اللي يسمعها يرجع للبيت من غير عين.»
رفعتُ قدمي لأريها كاحلي. كانت عليه علامة حمراء غريبة على شكل خمسة أصابع.
اختفى الأثر بعد سبعة أيام.
لكن المشكلة… أني ما زلت أسمعها كل ليلة.
المشكلة… أن صوتها الآن أصبح داخلي.
والمشكلة الأكبر… أن أظافري بدأت تطول، وتتحول إلى اللون الأزرق.
واليوم… حين نظرت في المرآة، رأيت عيني. لم تعودا كما كانتا.
أصبحتا فراغين.
مثلها تمامًا.
![]()
