...
IMG 20260526 WA0000

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

رحم الله أحبةً كان للعيد معهم مذاق خاص.

نبدأ يومنا بصلاة العيد، وترتفع في المكبرات التكبيرات: «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون».

 

تنتهي الصلاة، فنعود للمنازل، وتدق الساعة العاشرة؛ لأجد خالتي، فنلقاها بالترحاب، ونجلس نتحدث سويًا، ونطمئن عليها وعلى فتيات خالتي. تأخذني لقضاء اليوم معها، وفرحة عارمة تسري في أوصالي. كم كانت تلك الأيام مميزة ومليئة بالبهجة!

 

رحم الله تلك الأيام النضرة، ورحم الله غائبين تركوا في حنايا القلب غصة، وفي زوايا البيت فراغًا لا يملؤه أحد. لقد كان للعيد معهم طعم آخر، طعم يمتزج فيه الفرح بالسكينة، وتتكامل فيه تفاصيل البهجة؛ لتصنع ذكريات لا تموت، تظل محفورة في وجداننا مهما تعاقبت السنوات وتغيرت الأحوال.

 

نخرج من بيتنا، والبهجة تسبق خطانا، نمشي في الشوارع التي تفوح منها رائحة النظافة وبقايا البخور، ونتبادل التهاني مع الجيران والأقارب الذين نلتقيهم في طريقنا. كانت المسافة إلى بيت خالتي، رغم قصرها، تبدو لي كرحلة إلى عالم من السعادة المطلقة.

 

فما إن نصل إلى باب بيتها العتيق، حتى يتسابق الجميع لفتح الباب، وتستقبلنا هي بوجهها البشوش المستبشر، الذي يحمل ملامح من رائحة أمي وجدتي، وعناقها الدافئ الذي يذيب أي تعب أو عناء.

 

ندخل إلى ردهة البيت الواسعة، حيث تلتف العائلة في حلقة دافئة. نجلس على المقاعد الخشبية المريحة، وتأخذني فتيات خالتي بالأحضان، والضحكات تعلو في المكان. نبدأ بالحديث عن الصلاة، وعن أجواء العيد، ونطمئن على أحوالهن ودراستهن وأحلامهن الصغيرة. كانت تلك الجلسة الصباحية تشبه البلسم للروح؛ حيث تتشابك الأيدي، وتتناغم القلوب، وتنساب الكلمات الحانية دون كلفة أو تصنع.

 

لا يمكن أن يكتمل عيدنا في بيت خالتي دون تلك الطقوس الثابتة التي أضفت على الأيام ميزتها الخاصة. تقدم لنا خالتي، بحنوها المعهود، صينية الضيافة المزينة بكعك العيد اللذيذ، والغريبة التي تذوب في الفم، والبسكويت المقرمش الذي صنعته يداها مع فتياتها في الأيام الأخيرة من رمضان، وسط أهازيج الفرح. وكانت رائحة القهوة العربية الممزوجة بالهيل تمتزج برائحة الكعك؛ لتصنع عبيرًا خاصًا ارتبط في ذاكرتي برائحة «العيد الحقيقي».

 

«خُذ قطعتين يا بني، فلا عيد دون طعم كعك بيتنا»، هكذا كانت تدندن بصوتها الرقيق، وهي تُلح علينا في تناول المزيد، بينما نتبادل النكات والقصص الطريفة التي حدثت معنا في الأيام الماضية.

 

كانت الفتيات يجهزن المائدة بلمساتهن الرقيقة، ونحن نساعدهن في نقل الأطباق وسط ضحكات متناثرة هنا وهناك. وفي زاوية الغرفة، كان المذياع يعزف أغاني العيد القديمة التي تبعث في النفس حنينًا دافئًا، فتزيد الأجواء ألفة وبهجة.

 

ومع انتصاف اليوم، وبدء ميل الشمس نحو الغروب، تبدأ جولة أخرى من الفرح الصافي. نخرج جميعًا إلى حديقة البيت الصغيرة، أو نجتمع في الشرفة الواسعة لمراقبة الشارع الحيوي. كانت فتيات خالتي يرتدين ملابسهن الجديدة الزاهية، ويستعرضن زيناتهن ببراءة وفرح غامر، بينما نتشارك نحن الشباب التخطيط لكيفية قضاء ما تبقى من إجازة العيد.

 

كنا نلعب ألعابًا جماعية بسيطة، ونستمع إلى قصص خالتي عن أعياد زمان، وكيف كانوا يحتفلون بها ببساطة وعفوية تفوق أيامنا هذه. كانت حكاياتها تأخذنا إلى زمن جميل مضى، زمن كانت فيه القلوب أكثر قربًا، والنفوس أكثر صفاءً. ومع اقتراب الليل، تضاء أنوار البيت الدافئة، ونبدأ بتناول عشاء العيد الخفيف، مستمتعين بكل لحظة تمر، متمنين لو أن عقارب الساعة تتوقف؛ لتطول هذه الليلة الحانية.

 

تمر السنون، وتتبدل الملامح، ويغيب بالموت من كانوا عماد تلك اللقاءات ومصدر بهجتها. اليوم، عندما يأتي العيد، نردد التكبيرات ذاتها، وتدق الساعة العاشرة ذاتها، لكن المقاعد تبدو شاغرة، والأصوات التي كانت تملأ الدنيا صخبًا جميلًا قد رحلت إلى بارئها.

 

رغم الغياب والغصة التي تعتصر القلب في كل عيد، فإن عزاءنا الوحيد هو تلك الذكريات الجميلة التي تركوها فينا. لقد علمتنا خالتي وأحبتنا الراحلون كيف نزرع الفرح ونحافظ على صلة الرحم، وكيف نجعل من العيد محطة للحب والسلام.

 

نترحم عليهم في كل صلاة، وندعو لهم بالمغفرة والفسحة في قبورهم، ونعاهد أنفسنا أن نظل متمسكين بتلك العادات الطيبة؛ لننقلها للأجيال القادمة، ويبقى ذكرهم حيًا ونابضًا بالحب في كل عيد.

فسلام على تلك الأرواح الطاهرة، وجعل الله عيدهم في الجنة أجمل وأبقى.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *