...
IMG 20260525 WA0187

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

منذ كانت الشمس في كبد السماء، والكون يعجّ بالدبيب، والقلوب تلهث بالدعاء. لكن ما إن تميل الشمس نحو مغربها، وتدخل «عصرية يوم عرفة»، حتى يتبدل إيقاع الوجود. تهبط سكينة من نوع خاص، وتتسلل نسمات باردة تغسل هجير النهار، وتتحول تلك الساعات القليلة إلى بساط ممدود بين الأرض والسماء، حيث يقترب الرب جلّ جلاله، نزولًا يليق بجلاله، ليباهي بأهل الأرض أهل السماء.

 

في هذا الوقت، تبدو الحركة في الكون وكأنها تباطأت تكريمًا للحظة. تكتسي السماء بألوان الغسق الساحرة؛ مزيج من الوردي الهادئ والبرتقالي الدافئ، كأنها لوحة غُسلت بماء الطهر. تجلس الروح في شرفتها، تتأمل هذا السكون المهيب، حيث تتوارى أضواء المدينة البعيدة خجلًا أمام جلال التجلي الإلهي.

 

الأصوات الخافتة في الشوارع، والشموع المضاءة في الزوايا، كلها تبدو في حالة إنصات عميق. حتى الزهور المتدلية برائحتها الزكية تتمايل مع النسمات، كأنها تسبّح بحمد ربها، وتشارك العباد وجلهم ورجاءهم.

 

إنها العصرية التي لا تشبه أي عصرية أخرى في العام. ليست مجرد وقت لانتهاء النهار، بل هي الميقات الحاسم الذي تُسحب فيه ملفات الخصوم، وتُعتق فيه الرقاب، وتُغسل فيه الخطايا كأنها لم تكن. في هذه الدقائق، يتوقف المؤمن عن الالتفات إلى الدنيا ومشاغلها، وتتجه البوصلة كاملة نحو السماء.

 

يجلس العبد في أمن غرفته، أو على سجادة صلاته، وبينه وبين مغيب الشمس دقائق معدودات، هي أغلى ما يملك من عمره. بين يديه كشف بأمنياته المؤجلة، ودعواته التي خبأها طوال العام لهذه اللحظة بالذات. تنهمر العبرات دون استئذان؛ ليست عبرات حزن، بل هي دموع الرجاء والاستسلام لعظمة الخالق.

 

في عصرية عرفة، تذوب الفوارق بين البشر، ويرتفع صوت واحد بآلاف اللغات، وإن كان صامتًا في القلوب: «اللهم أعتِق رقبتي من النار». يلهج اللسان بالثراء النبوي: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير». كلمات خفيفة على اللسان، لكنها تزن في ميزان هذا الوقت جبالًا من الحسنات، وتدك حصونًا من السيئات.

 

يتذكر العبد كل تعثرات العام، وكل ليلة نام فيها مثقلًا بالهموم، ويرى في هذا الغروب فرصة الولادة الجديدة. يدعو لنفسه بالهداية والقبول، ويدعو لمن يحب بأسمائهم وملامحهم، يرسل دعواته كطيور بيضاء تحلق في فضاء الرحمة الواسع، واثقًا أن الإجابة لا تخطئ طريقها.

 

ومع تدلي قرص الشمس واقترابه من الأفق، يزداد التوتر الإيماني عذوبة. تصبح الأنفاس معدودة، والدعوات أكثر إلحاحًا واضطرارًا. يرى المؤمن ضوء النهار وهو ينسحب ببطء، فيرجو مع كل شعاع يغيب أن تغيب ذنوبه، وأن تُمحى آثامه، وأن يُكتب في ديوان العتقاء المقبولين.

 

تتحول طمأنينة المكان إلى طاقة روحية غامرة؛ الشموع الدافئة ترمز إلى الأمل المشتعل في الصدور، والورد المتفتح يماثل انشراح القلوب التي أُزيح عنها ران الذنوب. إنها لحظة التسليم المطلق، حيث يضع العبد كل أوزاره وحاجاته عند عتبة الكريم، وينتظر أذان المغرب، ليس فرحًا بالطعام، بل فرحًا بجائزة الغفران.

 

حين يرتفع صوت الأذان معلنًا نهاية هذا اليوم العظيم، يتنفس الكون الصعداء، ويهبط الفرح على القلوب المنهكة. ينتهي يوم عرفة، لكن أثره يبقى كعطر دائم في الروح، تسير به طوال العام، مستندةً إلى يقين قاطع: أن الله قد سمع، وأن الله قد غفر، وأن القادم من الأيام محفوف بالرضا والبركات.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *