الكاتبه وئام التركي
في كل يوم نمر بجانب عشرات الوجوه، نحيي بعضها، ونعبر عن بعضها الآخر دون أن نعرف ما تخفيه القلوب وراء تلك الملامح. قد يبدو الشخص الذي أمامنا مبتسمًا وسعيدًا، بينما يحمل في داخله ما يكفي من الحزن ليملأ مدينة بأكملها. وقد يبدو آخر صامتًا ومنعزلًا، لكنه في الحقيقة يخوض معركة لا يعلم عنها أحد شيئًا.
الحياة علمتني ألا أحكم على الناس من ظاهرهم؛ فلكل إنسان قصة لا يرويها كاملة، ولكل قلب أسراره وآلامه وأحلامه المؤجلة. لذلك تبقى الرحمة أجمل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا البعض. كلمة طيبة، وابتسامة صادقة، أو موقف صغير قد يغير يوم شخص بأكمله دون أن نشعر.
في زمن أصبحت فيه السرعة عنوان كل شيء، أصبح الاهتمام بالآخرين عملة نادرة. كثيرون يبحثون عمن يسمعهم أكثر من بحثهم عن الحلول، وعمن يشعر بهم أكثر من حاجتهم إلى النصائح. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يرشده، بل يحتاج أحيانًا إلى من يربت على قلبه ويمنحه بعض الطمأنينة.
وربما لهذا السبب تبقى المواقف الإنسانية عالقة في الذاكرة أكثر من أي شيء آخر. لا نتذكر ما قاله الناس فحسب، بل نتذكر كيف جعلونا نشعر. نتذكر من وقف معنا في وقت الشدة، ومن منحنا الأمل عندما ضاقت بنا الطرق، ومن آمن بنا حين شككنا في أنفسنا.
وفي النهاية، لا يُقاس جمال الإنسان بما يملك من مال أو مكانة، بل بما يتركه من أثر في قلوب الآخرين. فالأيام تمضي، والأعوام تتغير، لكن الكلمة الطيبة تبقى، والموقف النبيل يبقى، والإنسانية الصادقة تبقى أجمل ما يمكن أن يتركه المرء وراءه.
![]()
