مقال صحفي من مجلة الرجوة المعتمد
مقال اليوم رقم (1)
بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
ليست الحروب وحدها هي التي تترك آثارًا عميقة في حياة البشر، فهناك كلمات قد تكون أشد قسوة من السلاح، وهناك كلمات أخرى تستطيع أن تعيد الأمل إلى قلب كاد أن يستسلم. فالكلمة ليست مجرد حروف تُنطق أو تُكتب، بل هي رسالة تحمل مشاعر وأفكارًا ومواقف، وقد تكون سببًا في إصلاح إنسان أو تحطيمه.
وفي عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، أصبح الإنسان يكتب ويتحدث أكثر مما كان يفعل في أي وقت مضى، وأصبحت الكلمة تنتقل إلى مئات أو آلاف الأشخاص خلال ثوانٍ قليلة. ولهذا أصبحت مسؤولية الكلمة أكبر من أي وقت مضى، لأن أثرها لم يعد يقتصر على شخص واحد، بل قد يمتد إلى مجتمع كامل.
وللأسف، نلاحظ اليوم أن البعض يستهين بما يقوله، فيطلق الأحكام على الآخرين دون معرفة، أو يسخر منهم بحجة المزاح، أو ينشر أخبارًا لم يتحقق من صحتها، أو يكتب تعليقًا غاضبًا ثم ينساه، بينما يبقى أثره في قلب من قرأه سنوات طويلة. وفي المقابل، نجد أن كلمة تشجيع واحدة قد تكون سببًا في نجاح طالب، أو استمرار موظف، أو إنقاذ إنسان من اليأس.
إن المجتمعات لا تُبنى فقط بالمشروعات والاقتصاد، بل تُبنى أيضًا بالأخلاق، والكلمة الصادقة إحدى أهم هذه الأخلاق. فكل علاقة ناجحة تبدأ بحوار محترم، وكل أسرة مستقرة تقوم على كلمات المودة والاحترام، وكل بيئة عمل ناجحة تحتاج إلى لغة راقية تُشجع ولا تُحبط، وتُصحح الخطأ دون إهانة صاحبه.
ولذلك، فإن الإنسان الحكيم لا يقيس قيمة كلماته بعددها، بل بأثرها. فقد يتحدث شخص لساعات دون أن يترك أثرًا، بينما يقول آخر جملة واحدة تغيّر حياة إنسان إلى الأفضل. وهذا ما يجعل الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حقًا، وأمانة قبل أن تكون وسيلة للتعبير.
الحلول العملية والإيجابية
إذا أردنا أن نجعل الكلمة وسيلة للبناء لا للهدم، فهناك خطوات عملية يمكن لكل إنسان أن يطبقها في حياته.
أولًا: فكر قبل أن تتحدث.
اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: هل هذه الكلمة ستفيد من يسمعها أم ستؤذيه؟ أحيانًا يمنع هذا السؤال خلافًا كبيرًا كان يمكن أن يحدث بسبب لحظة غضب.
ثانيًا: انتقد الفعل ولا تُهِن الشخص.
فبدلًا من أن تقول لشخص: “أنت فاشل”، قل له: “هذا التصرف كان يحتاج إلى تحسين.” فالفارق بين العبارتين كبير، لأن الأولى تهدم الإنسان، أما الثانية فتفتح له باب التطوير.
ثالثًا: اجعل التشجيع عادة يومية.
كلمة تقدير لزميل في العمل، أو شكر لأحد أفراد الأسرة، أو تشجيع لطفل على اجتهاده، قد تصنع فرقًا لا تتخيله.
رابعًا: لا تنقل كل ما تسمعه.
ليست كل معلومة تستحق النشر، وليس كل خبر يستحق أن يُعاد تداوله. فالتثبت قبل الكلام يحمي المجتمع من الشائعات وسوء الظن.
خامسًا: تعلّم الاعتذار إذا أخطأت.
فالاعتذار لا يُنقص من قيمة الإنسان، بل يزيده احترامًا في أعين الآخرين، ويُعيد الثقة التي قد تهتز بسبب كلمة قاسية.
مثال من الواقع:
قد يعود أب إلى منزله متعبًا، فيصرخ في وجه ابنه بسبب خطأ بسيط. يظل الطفل طوال اليوم حزينًا، ليس بسبب العقاب، بل بسبب الكلمات التي سمعها. ولو أن الأب هدأ قليلًا، وشرح الخطأ بهدوء، لحقق التربية نفسها دون أن يجرح مشاعر ابنه.
ومثال آخر في بيئة العمل، قد يُخطئ موظف جديد، فيختار مديره أن يقول له: “تعلم من الخطأ وستصبح أفضل.” فيزداد الموظف حماسًا وثقة. بينما لو قال له: “أنت لا تصلح لهذا العمل.” فقد يفقد ثقته بنفسه ويترك العمل بالكامل.
وهكذا نرى أن الكلمة ليست مجرد صوت، بل قد تكون بداية نجاح أو بداية فشل، بحسب الطريقة التي نستخدمها بها.
الرؤية الإسلامية
جعل الإسلام الكلمة الطيبة عبادة، وربط بين الإيمان وحسن القول.
قال الله تعالى:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
[سورة البقرة: 83]
وقال سبحانه:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾
[سورة ق: 18]
وقال تعالى:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾
[سورة فاطر: 10]
وتوضح هذه الآيات أن الكلمة مسؤولية، وأن الكلمة الطيبة عمل صالح يرفع صاحبه عند الله.
من الأحاديث النبوية الصحيحة
قال رسول الله ﷺ:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
(متفق عليه)
وقال ﷺ:
«الكلمة الطيبة صدقة».
(متفق عليه)
وقال ﷺ:
«إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم».
(رواه البخاري)
وتؤكد هذه الأحاديث أن أثر الكلمة يمتد إلى الدنيا والآخرة.
الرؤية المسيحية
كما يدعو الكتاب المقدس إلى استخدام الكلمة في الخير وبناء الإنسان.
جاء في رسالة أفسس:
«لا تخرج كلمة رديئة من أفواهكم، بل كل ما كان صالحًا للبنيان حسب الحاجة، كي يعطي نعمة للسامعين.»
(أفسس 4: 29)
وجاء في سفر الأمثال:
«الجواب اللين يصرف الغضب، والكلام الموجع يهيج السخط.»
(أمثال 15: 1)
من تعاليم السيد المسيح والرسل
قال السيد المسيح:
«لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان.»
(متى 12: 37)
وقال الرسول يعقوب:
«إن كان أحد لا يعثر في الكلام فذاك رجل كامل.»
(يعقوب 3: 2)
وتؤكد هذه النصوص أن ضبط اللسان من علامات النضج الروحي والأخلاقي، وأن الإنسان مسؤول عن أثر كلماته في الآخرين.
خاتمة
إن الكلمة ليست شيئًا عابرًا ينتهي بمجرد أن يُغلق الفم أو يُرسل التعليق، بل هي أثر يبقى في القلوب، وقد يصنع مستقبل إنسان أو يحطم ثقته بنفسه. ولذلك فإن المجتمع الذي تنتشر فيه الكلمة الطيبة، والاحترام، والحوار الراقي، هو مجتمع أكثر قوة واستقرارًا من مجتمع يكثر فيه التجريح والسخرية والإهانة.
فلنجعل كلماتنا نورًا يضيء طريق الآخرين، لا نارًا تحرق مشاعرهم، ولنتذكر دائمًا أن أعظم الكلمات ليست أكثرها بلاغة، وإنما أكثرها صدقًا وأطيبها أثرًا.
![]()
