...

متاهة

يوليو 20, 2026
IMG 20260717 WA0012

 

الكاتب: أنور الهاملي

 

الكلماتُ رنَّانةٌ، ولكنَّها غيرُ مفهومةٍ. يمشي ولا يعرف أين وجهتُه، يأكلُ الأشياءَ، ولكنَّه فاقدُ الطَّعم، ينامُ ولا يعرفُ لأجلِ ماذا يصحى، نادمًا من كلِّ شيءٍ، وكارهًا لكلِّ شيءٍ، يذهبُ للعملِ ولا فائدةَ يُقدِّمُها، وجودُه وعدَمُه لا يُفرِّق، لا الحبُّ موجودٌ في حياتِه، ولا أصدقاء. الحياةُ بلا معنى، ولكنَّه يبتسمُ ليثبتَ نظريَّةَ أنَّ الحياةَ فيها خيرٌ. يتمنَّى، ولو بالصُّدفة، أنَّه يُقابلُ ذلك الشَّخصَ الذي يستطيعُ الكلامَ معه بكلِّ هذه المعاناة.

 

وفي صباحِ يومٍ مُشرقٍ جميلٍ، نسائمُه باردةٌ، وغناءُ العصافيرِ يملأُ المكان، وصوتُ فحيحِ الطبيعةِ يبعثُ للنَّفسِ الانتماء.

 

ولكن إسحاقَ فاقدٌ لذلك كمان. بينما هو ذاهبٌ إلى عملِه كالعادة، وجهٌ بلا ملامح، كلماتٌ مركَّبةٌ جميلةٌ ومنمَّقةٌ لكسرِ الضَّجيج، طبعًا ليُخفي المتاهةَ التي يعيشُ فيها. ولكن كان للقدرِ رأيٌ آخر، حيث رتَّب المكانَ والزمنَ ليلتقي بذلك الشَّايبِ ذي لحيةٍ بيضاءَ تُشبهُ الثَّلج، منفردةً كسبائبِ المطر، مفصَّلةً على وجهٍ جميلٍ جمعَ اللهُ فيه جمالًا لا يُوصَف، عيونٌ واسعةٌ، وأنفٌ حادٌّ، وخدودٌ متورِّدةٌ، على ملامحَ صلبةٍ حكيمةٍ.

 

كان الباصُ خاليًا من الرُّكاب، وعندما طلعَ الشَّايبُ ألقى التحيَّةَ الإسلاميَّةَ، وردَّ عليه السائقُ وإسحاق. رغم وجودِ المقاعدِ الفارغةِ، ولكنَّه اختار الجلوسَ بجانبِ إسحاق. صافحَ إسحاقُ الشَّيخ.

 

كيف حالُك؟

 

إسحاق: الحمدُ لله. وانتهزَ الفرصةَ ليحكي لذلك الشَّايبِ الغريبِ عن معاناتِه، ليقولَ للشَّيخ: أيُّها الشَّيخُ، إنِّي أعيشُ في متاهةٍ لا بدايةَ لها ولا نهايةَ، إنِّي أكرهُ كلَّ شيءٍ، ولا أعرفُ ماذا أريد.

 

هل صلَّيتَ الفجرَ؟ وهل تُصلِّي من الأساس؟

 

إسحاق: أقولُ لك: تائهٌ، وأنت تقولُ لي: صلَّيتُ! ويش دخلُ ذلك بالصَّلاة؟

 

الشَّيخ: يُنهي القصَّةَ قبل بدايتها. أنت تائهٌ لأنَّك بعيدٌ عن الدِّين، والدِّينُ أتى، يا ولدي، ليضبطَ الرُّوح، فمن تركَه فليعشْ بمتاهةٍ.

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *