بقلم الصحفي عبد الرحمن شعبان سعد
أحيانًا لا يبحث الإنسان عن الحب لأنه يريد قصة جميلة، بل لأنه يبحث عن مكان يشعر فيه أنه مهم. يبحث عن شخص يسمعه عندما يصمت الجميع، ويطمئنه عندما يخاف، ويقول له أنت لست وحدك عندما يشعر أن العالم كله ابتعد عنه. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للشاب ليس أن يبحث عن الحب، وإنما أن يبحث عنه في المكان الخطأ، وأن يفتح قلبه لأول شخص يمنحه الاهتمام لأنه لم يجد من يمنحه الأمان في بيته.
المشكلة تبدأ أحيانًا من لحظة تبدو بسيطة جدًا. شاب يعود إلى منزله محملًا بيوم طويل، يريد أن يتحدث، فيجد الجميع مشغولين. يحاول مرة أخرى فيسمع كلمة مختصرة، أو نصيحة قاسية، أو مقارنة بشخص آخر. ثم يتوقف عن الكلام. وبعد فترة يظهر شخص من خارج الأسرة يسأله سؤالًا بسيطًا: ماذا بك؟
قد تكون هذه الجملة وحدها كافية لفتح باب كان مغلقًا منذ سنوات.
هنا تبدأ الخطورة.
فالشخص الذي يشعر بأنه غير مسموع يصبح أكثر قابلية للتعلق بمن يسمعه، والشخص الذي يفتقد التقدير قد يتعلق بأول من يمدحه، والشخص الذي يعيش الوحدة قد يصدق بسرعة كل من يقول له أنا أفهمك.
ولا يعني ذلك أن كل علاقة تبدأ من الاحتياج العاطفي تكون خاطئة، لكن المشكلة أن الاحتياج الشديد قد يجعل الإنسان لا يرى الحقيقة كما هي. فيرى الاهتمام حبًا، ويرى التعلق أمانًا، ويرى الكلمات الجميلة دليلًا على صدق الشخص أمامه، بينما قد يكون الطرف الآخر يستغل ضعفه أو يبحث عن مصلحة شخصية.
وهنا تظهر مشكلة أكبر، وهي أن بعض الشباب لا يدخلون العلاقات لأنهم اختاروا الشخص المناسب، وإنما لأنهم كانوا يبحثون عن أي شخص يملأ الفراغ الموجود داخلهم.
والفراغ العاطفي قد يجعل الإنسان يتنازل عن أشياء لم يكن يتخيل يومًا أنه سيتنازل عنها. قد يقبل الإهانة خوفًا من الفقد، وقد يسكت عن التجاوزات حتى لا يعود وحيدًا، وقد يخفي علاقته عن أسرته لأنه يعلم أن العلاقة غير صحيحة لكنه لا يستطيع التخلي عنها.
وفي بعض الحالات يتحول الأمر إلى دائرة مؤلمة.
يبحث الشاب عن الاحتواء خارج البيت، فيجد شخصًا يمنحه اهتمامًا شديدًا، فيتعلق به، ثم يكتشف بعد فترة أن هذا الاهتمام كان مؤقتًا أو مشروطًا أو قائمًا على الاستغلال، فيتعرض للخذلان. وبعد الخذلان يعود إلى الوحدة، لكنه بدلًا من أن يعالج السبب الحقيقي يبدأ في البحث عن علاقة أخرى، فتتكرر القصة من جديد.
ولهذا فإن الحل ليس أن نقول للشباب لا تحبوا، ولا أن نعتبر كل علاقة خطرًا، وإنما أن نفهم لماذا يبحث الإنسان عن الحب بهذه الطريقة، وكيف يمكن للأسرة أن تمنحه الاحتواء قبل أن يصبح الاحتياج سببًا في اتخاذ قرارات خطيرة.
الاحتواء الأسري لا يعني أن يوافق الأب والأم على كل ما يفعله أبناؤهم. بل يعني أن يعرف الابن أن بإمكانه الحديث دون خوف، وأن الخطأ لن يحوله إلى شخص مكروه، وأن النصيحة لن تأتي في صورة إهانة، وأن الاختلاف لن يتحول إلى طرد أو قطيعة.
والأب الذي يريد حماية ابنه من العلاقات المؤذية لا يستطيع أن يحقق ذلك بمجرد المنع والمراقبة. عليه أولًا أن يبني علاقة تجعل ابنه يأتي إليه عندما يشعر بالضعف بدلًا من أن يذهب إلى شخص مجهول على الإنترنت.
والأم التي تريد حماية ابنتها لا يكفي أن تقول لها لا تثقي بأحد، بل عليها أن تجعل ابنتها تعرف أن هناك قلبًا يمكنها أن تتحدث إليه دون خوف من السخرية أو التحقير.
الحلول العملية والإيجابية
أن تبدأ الأسرة بإعادة بناء لغة الحوار داخل البيت، ولو من خلال دقائق يومية صادقة بعيدًا عن الهواتف.
أن يتعلم الآباء الاستماع دون تحويل كل مشكلة إلى محاضرة أو عقاب.
أن يشعر الأبناء أن طلب المساعدة ليس عيبًا، وأن الاعتراف بالضعف لا يعني الفشل.
أن يتعلم الشاب الفرق بين الحب الحقيقي والاهتمام المؤقت، وبين الاحتواء والاستغلال.
أن لا يدخل الإنسان علاقة فقط لأنه يشعر بالوحدة، فالاحتياج الشديد قد يجعله يختار الشخص الخطأ.
أن تكون هناك حدود واضحة في أي علاقة، وألا يسمح الإنسان لأحد بإهانته أو ابتزازه أو استغلال مشاعره.
أن يبحث الشاب عن مصادر صحية للشعور بالقيمة مثل العمل والتعلم والرياضة والعلاقات الأسرية الصادقة والعمل التطوعي.
أن تعالج الأسرة أصل المشكلة بدلًا من مهاجمة النتيجة، فإذا اكتشف الأب علاقة غير مناسبة لابنه عليه أن يسأل أولًا كيف وصل ابني إلى هذه العلاقة.
أن يتعلم الشباب أن الحب لا يعني فقدان الكرامة، وأن الشخص الذي يحبك بصدق لن يطلب منك أن تهدم نفسك حتى تثبت له مشاعرك.
الرؤية الإسلامية
قال الله تعالى
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
سورة الروم الآية 21
وقال سبحانه
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾
سورة الفرقان الآية 74
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء »
رواه البخاري ومسلم
وقال صلى الله عليه وسلم
« خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي »
رواه الترمذي
الرؤية المسيحية
جاء في الإنجيل
« أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ »
رسالة يوحنا الأولى 4 : 7
وجاء أيضًا
« وَفَوْقَ هذِهِ كُلِّهَا الْمَحَبَّةُ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ »
رسالة كولوسي 3 : 14
وتوجد في الإسلام والمسيحية دعوة واضحة إلى المحبة والرحمة والعلاقات القائمة على المسؤولية والاحترام، لكن المحبة الحقيقية ليست مجرد كلمات جميلة أو تعلق عاطفي، وإنما هي أمان ورحمة وصدق وحفظ للكرامة. كما أن الأسرة مطالبة بأن تكون مصدرًا للرحمة والاحتواء، حتى لا يبحث أبناؤها عن الأمان في أماكن قد لا تكون آمنة.
وفي النهاية، لا تسأل الشاب فقط لماذا دخل هذه العلاقة، بل اسأله ماذا كان ينقصه قبل أن يدخلها.
قد يكون ما ينقصه كلمة من أبيه، أو حضنًا من أمه، أو جلسة صادقة يسمع فيها أحدهم خوفه دون أن يسخر منه. وقد يكون يبحث عن قيمة لم يشعر بها داخل بيته، أو عن اهتمام افتقده سنوات طويلة.
ولذلك فإن حماية أبنائنا لا تبدأ عندما نكتشف العلاقة، بل تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ يوم نجلس معهم، ونسمعهم، ونحترم مشاعرهم، ونعلّمهم أن الحب لا يعني الاستسلام، وأن الاهتمام لا يعني الثقة العمياء، وأن الإنسان لا يحتاج إلى أن يبيع كرامته حتى يشعر بأنه محبوب.
فالبيت الذي يمنح أبناءه الأمان لا يمنع عنهم كل أخطاء العالم، لكنه يمنحهم شيئًا أقوى من المنع.
يمنحهم مكانًا يعودون إليه عندما يخطئون.
وصوتًا يسمعونه عندما يحتارون.
وقلبًا يصدقونه عندما يخافون.
وهذا ربما يكون أعظم نوع من الحماية يمكن أن تقدمه الأسرة لأبنائها.
![]()
