...
IMG 20260824 WA0005

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

تجمد آدم أمام الباب الزجاجي.

 

كان الرجل يقف خلفه بثبات، وملامحه واضحة هذه المرة.

 

لم يكن شبحًا.

 

ولم يكن تسجيلًا قديمًا.

 

كان حيًا.

 

والأغرب…

 

أنه كان يشبه مريم بشكلٍ واضح.

 

قال آدم:

 

“أنت ياسر؟”

 

أومأ الرجل.

 

ثم نظر إلى مريم.

 

“ألم تخبريهم أنني حي؟”

 

قالت مريم بصوت مكسور:

 

“كنت أحاول حمايتهم.”

 

ضحك ياسر.

 

“مثلما حاولتِ حمايتي؟”

 

ساد الصمت.

 

قال آدم:

 

“إيه اللي حصل بينكم؟”

 

اقترب ياسر من الزجاج.

 

“أختكِ أخبرتك أنني خائن.”

 

ثم نظر إلى آدم.

 

“لكنها لم تخبرك أنني كنت الشخص الذي أبقى والديك على قيد الحياة بعد اختفائهما.”

 

التفت آدم إلى مريم.

 

“هل ده صحيح؟”

 

لم تجب.

 

قال ياسر:

 

“طبعًا لن تجيب.”

 

ثم أضاف:

 

“لأن الحقيقة أسوأ مما تتخيل.”

 

اقتربت ليان من الزجاج.

 

“أين والدانا؟”

 

تغيرت ملامح ياسر.

 

“هذا هو السؤال الذي يجب أن تسألاه أولًا.”

 

قال آدم:

 

“أين أبي؟”

 

أجاب:

 

“لم يمت.”

 

ثم نظر إلى ليان.

 

“ووالدك أيضًا لم يمت في الليلة التي أخبروك عنها.”

 

توقفت أنفاسها.

 

“أين هما؟”

 

قال ياسر:

 

“هذا ما ستعرفانه إذا عبرتما الباب.”

 

فتح الباب الزجاجي ببطء.

 

دخل آدم أولًا.

 

ثم ليان.

 

وكانت مريم على وشك الدخول، لكن ياسر أوقفها.

 

“أنتِ لا.”

 

نظرت إليه.

 

“أنا من بدأ هذا.”

 

أجاب:

 

“وأنتِ أيضًا من كذب فيه.”

 

أغلقت مريم عينيها.

 

ثم بقيت خارج الغرفة.

 

دخل آدم وليان.

 

وفي اللحظة التي عبرا فيها…

 

أغلق الباب خلفهما.

 

لم يعد بإمكانهما رؤية مريم.

 

نظر آدم حوله.

 

كانت الغرفة مختلفة تمامًا عن القاعة السابقة.

 

الجدران مغطاة بشاشات قديمة، وخرائط، وصور، وملفات.

 

لكن الشيء الذي لفت انتباهه كان جدارًا كاملًا يحمل صورًا لعائلتيهما.

 

اقترب.

 

كانت هناك صورة لوالده.

 

ثم صورة لوالد ليان.

 

ثم صورة لمريم.

 

ثم صورة لفارس.

 

لكن أسفل صورهم جميعًا…

 

كانت هناك صورة لياسر.

 

وتحتها عبارة:

 

“المسؤول عن الحماية الداخلية.”

 

قالت ليان:

 

“إذن لم يكن ياسر من مؤسسي المنظمة فقط.”

 

أجاب آدم:

 

“كان مسؤولًا عن حماية الناس منها.”

 

قال ياسر:

 

“بالضبط.”

 

ثم أشار إلى شاشة أمامهما.

 

اشتغلت فجأة.

 

ظهر تسجيل قديم.

 

ظهر والد آدم.

 

وكان يتحدث أمام الكاميرا.

 

قال:

 

“إذا وصلتما إلى هذه الغرفة، فهذا يعني أن الخطة نجحت.”

 

نظر آدم إلى الشاشة.

 

ثم اقترب أكثر.

 

تابع والده:

 

“لكنني لا أعرف إن كنت سأكون حيًا عندما تشاهدان هذا التسجيل.”

 

توقفت ليان عن التنفس.

 

قال الرجل في التسجيل:

 

“يا آدم… يا ليان…”

 

ثم ابتسم.

 

“أعرف أنكما ستغضبان منا.”

 

تغير وجه آدم.

 

“لكننا لم نترككما.”

 

قال والد آدم:

 

“أبعدناكما لأننا اكتشفنا أن المنظمة لم تكن تريد القطعتين فقط.”

 

ظهر خلفه رسم للقطعتين.

 

“كانوا يريدونكما أنتما.”

 

قال آدم:

 

“لماذا؟”

 

تابع التسجيل:

 

“لأن القطعتين لا تستجيبان إلا لأشخاص يحملون السلالة القديمة.”

 

ثم ظهر رسم لثلاثة أشخاص.

 

“ثلاثة حراس.”

 

قال:

 

“آدم يحمل سلالة الحارس الأول.”

 

“ليان تحمل سلالة الحارسة الثانية.”

 

ثم ظهر اسم:

 

يونس.

 

قال:

 

“أما الثالث…”

 

توقف التسجيل فجأة.

 

قال آدم:

 

“لماذا توقف؟”

 

قال ياسر:

 

“لأن والدك لم يكن يريد أن يقول اسم الثالث.”

 

سألت ليان:

 

“لماذا؟”

 

أجاب:

 

“لأن الثالث لم يكن مجرد حامل.”

 

ثم فتح بابًا جانبيًا.

 

“كان هو المفتاح.”

 

دخلوا معه إلى ممر آخر.

 

هذه المرة كان الممر واسعًا، وأرضيته مغطاة بنقوش قديمة.

 

وفي نهايته…

 

كانت هناك ثلاثة أبواب.

 

فوق الباب الأول رمز آدم.

 

وفوق الثاني رمز ليان.

 

أما الثالث…

 

فكان يحمل رمز يونس.

 

قال آدم:

 

“لماذا ثلاثة أبواب؟”

 

أجاب ياسر:

 

“لأن كل واحد منكم يحمل جزءًا مختلفًا من الحقيقة.”

 

ثم قال:

 

“والأخطر…”

 

توقف.

 

“أنكم لا تستطيعون الوصول إلى النهاية إلا إذا اجتمعتم.”

 

قالت ليان:

 

“أين يونس؟”

 

نظر ياسر إلى الباب الثالث.

 

“هنا.”

 

تقدمت نحوه.

 

“خلف الباب؟”

 

“نعم.”

 

قال آدم:

 

“إذن افتحه.”

 

هز ياسر رأسه.

 

“لا أستطيع.”

 

“لماذا؟”

 

“لأن يونس هو الوحيد الذي يستطيع فتح بابه.”

 

ثم سمعوا صوتًا من خلف الباب.

 

“ليس بعد.”

 

تجمدت ليان.

 

كان صوت يونس.

 

اقتربت من الباب.

 

“يونس؟”

 

“نعم.”

 

“أنت حي.”

 

“نعم.”

 

قال آدم:

 

“لماذا لم تخرج؟”

 

سكت يونس.

 

ثم قال:

 

“لأنني لم أكن محبوسًا.”

 

سأل آدم:

 

“إذن لماذا بقيت؟”

 

جاء الرد:

 

“لأنني كنت أحرس شيئًا.”

 

نظر آدم إلى ياسر.

 

“إيه هو؟”

 

قال ياسر:

 

“الذاكرة الأخيرة.”

 

فتح ياسر بابًا صغيرًا في الجدار.

 

كانت بداخله آلة غريبة تتوسطها دائرة زجاجية.

 

قال:

 

“والداكما تركا هنا ذكرياتهما الأخيرة.”

 

قالت ليان:

 

“ذكرياتهم؟”

 

“نعم.”

 

“كل ما حدث في الليلة الأخيرة.”

 

نظر آدم إلى الجهاز.

 

“نقدر نشوفها؟”

 

قال ياسر:

 

“يمكن.”

 

ثم أضاف:

 

“لكن هناك ثمن.”

 

“إيه؟”

 

“كل واحد منكما سيرى شيئًا من الماضي.”

 

“وقد لا تستطيعان تحمل ما ستريانه.”

 

قالت ليان:

 

“نريد الحقيقة.”

 

نظر ياسر إلى آدم.

 

“حتى لو كانت الحقيقة أن والدك هو السبب في كل ما حدث؟”

 

تجمد آدم.

 

“ماذا تقصد؟”

 

لم يجب.

 

فُتح الباب الثالث ببطء.

 

خرج منه شاب.

 

كان في عمرٍ قريب من عمر آدم وليان.

 

ملامحه هادئة، لكن عينيه تحملان شيئًا غريبًا.

 

توقف أمامهما.

 

قال:

 

“أنا يونس.”

 

نظر آدم إليه.

 

ثم إلى القطعة الرابعة التي كانت لا تزال في يد المرأة قبل أن تختفي.

 

قال:

 

“أين القطعة؟”

 

رفع يونس يده.

 

كانت القطعة الرابعة معلقة حول رقبته.

 

قال:

 

“معي.”

 

ثم نظر إلى ليان.

 

وقال:

 

“لكن هناك شيء لم يخبركم به أبي.”

 

تغير وجه ياسر.

 

“يونس…”

 

قال يونس:

 

“انتهى وقت إخفاء الحقيقة.”

 

ثم نظر إلى آدم.

 

“والدك لم يختفِ.”

 

“لقد ذهب بإرادته.”

 

نظر إلى ليان.

 

“ووالدك ذهب معه.”

 

ثم قال الجملة التي جعلت الجميع يتجمد:

 

“لأنهما اكتشفا أن الشخص الذي كان يطاردكما طوال خمسةٍ وعشرين عامًا…”

 

توقف.

 

ثم نظر إلى ياسر.

 

“…ليس نادر السيوفي.”

 

ساد الصمت.

 

قال آدم:

 

“إذن مين؟”

 

نظر يونس إلى مريم خلف الزجاج.

 

ثم قال:

 

“الشخص الذي كان يقود المنظمة من البداية.”

 

اقترب آدم.

 

“مين؟”

 

قال يونس:

 

“أقرب شخص إليكما.”

 

سألته ليان:

 

“من؟”

 

ابتسم يونس بحزن.

 

ثم أشار إلى الباب الزجاجي.

 

إلى مريم.

 

“هي.”

 

تجمد آدم.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

انطفأت جميع الشاشات.

 

ثم اشتغلت واحدة فقط.

 

ظهر عليها تسجيل جديد.

 

وكانت الصورة لوالد آدم ووالد ليان وهما يقفان معًا.

 

وخلفهما مريم.

 

لكن المفاجأة…

 

أن مريم في التسجيل كانت تقول لهما:

 

“إذا اضطررت أن أختار بين إنقاذ أولادي… وبين إنقاذكم… فسأختار أولادي.”

 

ثم انقطع التسجيل.

 

صرخت ليان:

 

“إيه أولادها؟!”

 

نظر يونس إلى آدم.

 

ثم قال:

 

“الآن بدأت الحقيقة.”

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *