ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260824 WA0008

 

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ظل الجميع في أماكنهم.

 

لم يتحرك أحد.

 

كانت جملة يونس الأخيرة لا تزال تتردد داخل القاعة:

 

“اسألوا مريم لماذا قتلت أخيها.”

 

نظر آدم إلى مريم.

 

كانت واقفة تحت الضوء وحدها، بينما اختفى باقي المكان في الظلام.

 

قال آدم:

 

“إنتِ قتلتي أخوكي؟”

 

لم تجب.

 

اقترب منها خطوة.

 

“مريم… أنا بسألك.”

 

رفعت عينيها إليه.

 

كانت الدموع في عينيها، لكن صوتها جاء ثابتًا:

 

“نعم.”

 

شهقت ليان.

 

أما سامح فخفض رأسه.

 

قال آدم:

 

“ليه؟”

 

أغلقت مريم عينيها.

 

“لأنه لم يعد أخي.”

 

قال آدم بغضب:

 

“ده مش جواب.”

 

“كان يعمل معهم.”

 

“إحنا عارفين إنه كان مع المنظمة.”

 

“لا.”

 

هزت رأسها.

 

“أنتم لا تعرفون.”

 

ثم اقتربت من الطاولة الحجرية.

 

وقالت:

 

“ياسر لم يكن مجرد شخص يعمل مع حراس الظل.”

 

توقفت.

 

“كان واحدًا من مؤسسيهم.”

 

ساد الصمت.

 

قالت ليان:

 

“لكن كيف؟”

 

أجابتها:

 

“المنظمة لم تبدأ كمنظمة شريرة.”

 

نظر آدم إليها.

 

“إذن بدأت إزاي؟”

 

قالت:

 

“بدأت كجماعة من الباحثين والعلماء الذين أرادوا حماية أسرار الحضارات القديمة من السرقة.”

 

ثم تغير صوتها.

 

“لكن مع الوقت، تغير كل شيء.”

 

“دخل أصحاب النفوذ.”

 

“ودخل المال.”

 

“ثم أصبح الهدف هو امتلاك المعرفة بدل حمايتها.”

 

قال آدم:

 

“وياسر؟”

 

نظرت إلى الظلام.

 

“كان أكثرهم إيمانًا بأن البشرية لا تستحق تلك المعرفة.”

 

سأل سامح:

 

“ولماذا لم تخبرينا بهذا من البداية؟”

 

قالت مريم:

 

“لأنني كنت أخاف أن أعرف حتى أنا الحقيقة كاملة.”

 

اقترب آدم.

 

“إذن قوليها.”

 

تنهدت.

 

“في الليلة التي اكتشفت فيها أن ياسر سرق نسخة من أبحاثي، ذهبت إليه.”

 

“وجدته مع رجال المنظمة.”

 

“وكان يحمل القطعتين.”

 

تجمدت ليان.

 

“الخاتم والقلادة؟”

 

هزت مريم رأسها.

 

“لا.”

 

ثم نظرت إلى آدم وليان.

 

“كان يحمل رسوماتهما.”

 

قالت:

 

“القطعتان الحقيقيتان كانتا مع والديكما.”

 

ثم أضافت:

 

“لكن ياسر كان قد عرف مكانهما.”

 

سأل آدم:

 

“وماذا حدث؟”

 

“واجهته.”

 

“قلت له إن ما يفعله سيقتل ناسًا.”

 

“فضحك.”

 

توقفت لحظة.

 

“ثم قال لي إن هناك شيئًا لم أكتشفه في أبحاثي.”

 

اقتربت ليان.

 

“ماذا؟”

 

قالت مريم:

 

“أن السر الحقيقي ليس في المكان.”

 

“السر في الإنسان الذي يستطيع الوصول إليه.”

 

نظر آدم إلى يده.

 

ثم إلى ليان.

 

قال:

 

“نحن.”

 

أومأت مريم.

 

“أنتم.”

 

ثم قالت:

 

“وياسر كان يريد أن يعرف لماذا اختاركم آباؤكم.”

 

سأل آدم:

 

“وعرف؟”

 

“نعم.”

 

“ماذا عرف؟”

 

قالت مريم:

 

“عرف أن العلامة التي على أجسادكم ليست علامة عشوائية.”

 

اقترب سامح.

 

“مريم…”

 

نظرت إليه.

 

“حان الوقت.”

 

قال سامح:

 

“إذا عرفوا هذه النقطة الآن، فلن يكون هناك رجوع.”

 

ردت:

 

“لا يوجد رجوع منذ أن دخلوا هذا المكان.”

 

ثم نظرت إلى آدم.

 

“العلامة موجودة في عائلاتكم منذ أجيال.”

 

قال آدم:

 

“ليه؟”

 

أجابت:

 

“لأن أجدادكم كانوا من حراس السر.”

 

سألته ليان:

 

“وحراس ماذا؟”

 

قالت:

 

“حراس مكان يسمونه في البردية…”

 

توقفت.

 

ثم قالت:

 

“دار الذاكرة.”

 

ردد آدم الاسم:

 

“دار الذاكرة.”

 

أومأت.

 

“المكان الذي احتفظ فيه المصري القديم بمعرفة لا يريد أن يموت بها.”

 

سأل آدم:

 

“وماذا عن المدينة المدفونة؟”

 

قالت:

 

“المدينة ليست المكان النهائي.”

 

“إذن ما هي؟”

 

“بوابة.”

 

تغير وجه ليان.

 

“بوابة إلى ماذا؟”

 

قالت:

 

“إلى دار الذاكرة.”

 

وفجأة…

 

صدر صوت قوي من الباب الحجري.

 

ارتجت القاعة.

 

ثم ظهر خط مضيء في منتصف الباب.

 

بدأ ينفتح ببطء.

 

لكن قبل أن يفتح بالكامل…

 

توقفت مريم.

 

قالت:

 

“هناك شيء يجب أن تعرفاه قبل أن ندخل.”

 

نظر إليها آدم.

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“والدكما لم يكونا يحاولان فقط إخفاء القطعتين.”

 

“كانا يحاولان إخفاء شيء ثالث.”

 

سألته ليان:

 

“إيه؟”

 

أجابت:

 

“الأسماء.”

 

“أي أسماء؟”

 

قالت:

 

“أسماء الأشخاص الذين جربوا استخدام المعرفة الموجودة في دار الذاكرة.”

 

قال آدم:

 

“وماذا حدث لهم؟”

 

نظرت إليه.

 

“لم يموتوا.”

 

صمتت.

 

“بل تغيروا.”

 

لم يفهم آدم.

 

“تغيروا إزاي؟”

 

قالت:

 

“فقدوا ذكرياتهم.”

 

ثم أضافت:

 

“بعضهم نسي أبناءه.”

 

“بعضهم نسي اسمه.”

 

“وبعضهم عاش سنوات وهو لا يعرف من يكون.”

 

قالت ليان:

 

“ولهذا اسمها دار الذاكرة؟”

 

أجابت:

 

“لأنها لا تمنحك الذاكرة.”

 

ثم نظرت إلى الخاتم.

 

“بل تستطيع أن تأخذها منك.”

 

ساد الصمت.

 

قال آدم:

 

“إذن لماذا نذهب إليها؟”

 

قالت مريم:

 

“لأن الحقيقة عن آبائكم موجودة هناك.”

 

“ولأن هناك شخصًا واحدًا فقط يستطيع أن يخبركم لماذا اختفوا.”

 

سأل آدم:

 

“مين؟”

 

نظرت إلى الباب.

 

“يونس.”

 

انفتح الباب بالكامل.

 

ظهر ممر طويل وراءه.

 

وفي آخره كان هناك ضوء أبيض شديد.

 

قالت ليان:

 

“الصوت كان جاي من هناك.”

 

أومأت مريم.

 

“نعم.”

 

بدأوا يتحركون.

 

لكن آدم توقف فجأة.

 

كان هناك شيء على الأرض أمام الباب.

 

ورقة قديمة.

 

انحنى وأخذها.

 

قرأ السطر الأول.

 

ثم تغير وجهه.

 

قالت ليان:

 

“إيه؟”

 

لم يجب.

 

أعطاها الورقة.

 

قرأت.

 

وكان مكتوبًا:

 

“إلى آدم وليان… إذا وصلتما إلى هنا، فلا تبحثا عن يونس، لأنه ليس الشخص الذي تظنان أنه هو.”

 

نظرت إلى مريم.

 

ثم إلى سامح.

 

قالت:

 

“مين كتب الكلام ده؟”

 

قال سامح:

 

“والد آدم.”

 

رفع آدم رأسه.

 

“إذن ليه يونس بينادينا؟”

 

لم يجب أحد.

 

ثم جاء الصوت من نهاية الممر:

 

“لأن والدك لم يكن يعرف الحقيقة.”

 

تجمد الجميع.

 

كان صوت يونس.

 

لكن هذه المرة كان أقرب.

 

قال:

 

“مريم أخبرتكم نصف الحقيقة فقط.”

 

ثم أضاف:

 

“أما النصف الآخر…”

 

توقف.

 

“فهو السبب الحقيقي الذي جعل والدكم يختفي.”

 

تقدم آدم نحو الصوت.

 

لكن مريم أمسكت بذراعه.

 

قالت:

 

“لا.”

 

نظر إليها.

 

“ليه؟”

 

قالت:

 

“لأنك إذا وصلت إليه الآن، ستعرف الحقيقة.”

 

“وده اللي إحنا عاوزينه.”

 

هزت رأسها.

 

“لا.”

 

ثم نظرت إلى ليان.

 

“لأن الحقيقة دي هتغير كل حاجة بينكم.”

 

توقفت ليان.

 

“بيننا؟”

 

لم تجب مريم.

 

لكن آدم ظل ينظر إليها.

 

وفي اللحظة التالية…

 

انطفأ الضوء.

 

ثم اشتعل من جديد.

 

لكن مريم لم تعد أمامهم.

 

اختفت.

 

قال آدم:

 

“مريم؟”

 

لا رد.

 

ثم سمعوا صوت باب يُغلق في نهاية الممر.

 

ركض آدم نحوه.

 

وليان خلفه.

 

وعندما وصلوا…

 

وجدوا بابًا زجاجيًا.

 

وخلفه امرأة تقف في غرفة مضاءة.

 

كانت مريم.

 

لكنها لم تكن وحدها.

 

كان هناك رجل يقف أمامها.

 

رجل في منتصف العمر.

 

نظر إلى آدم من خلف الزجاج.

 

ثم ابتسم.

 

قالت ليان بصوت مرتجف:

 

“مين ده؟”

 

اقترب الرجل من الزجاج.

 

ووضع يده عليه.

 

قال آدم:

 

“أبي؟”

 

هز الرجل رأسه.

 

ثم قال:

 

“لا.”

 

وتوقّف لحظة.

 

ثم نطق اسمًا جعل مريم تنهار في مكانها:

 

“أنا ياسر.”

 

انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *