...
IMG 20260825 WA0015

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يتحرك آدم.

 

بقي واقفًا أمام الشاشة المطفأة، وكأن الكلمات الأخيرة التي سمعها لم تصل إلى عقله بعد.

 

“سأختار أولادي.”

 

التفت ببطء نحو الزجاج.

 

كانت مريم تقف في الجهة الأخرى.

 

لم تحاول الإنكار.

 

وهذا وحده كان أكثر رعبًا من أي اعتراف.

 

قال آدم بصوت منخفض:

 

“أولادك؟”

 

لم تجب.

 

اقترب من الزجاج.

 

“مين أولادك يا مريم؟”

 

رفعت عينيها إليه.

 

ثم نظرت إلى ليان.

 

وكان في نظرتها شيء جعل ليان تتراجع خطوة.

 

قال ياسر:

 

“مريم…”

 

قاطعته:

 

“خلاص.”

 

ثم اقتربت من الزجاج.

 

“أنتما تستحقان تعرفا.”

 

قال آدم:

 

“نعرف إيه؟”

 

أجابت:

 

“الحقيقة التي أخفاها والدكما عنكما.”

 

ثم وضعت يدها على الزجاج.

 

“أنا لم أكن أحميكما طوال السنوات الماضية.”

 

توقفت.

 

“كنت أراقبكما.”

 

تجمدت ليان.

 

“ليه؟”

 

قالت مريم:

 

“لأنني كنت أعرف أن المنظمة ستعود.”

 

سأل آدم:

 

“وإيه علاقتك بأولادك؟”

 

صمتت.

 

ثم قالت:

 

“أنا لم أنجب طفلين فقط.”

 

نظر آدم إليها باستغراب.

 

قالت:

 

“كان لي ثلاثة.”

 

ساد الصمت.

 

نظر الجميع إلى يونس.

 

لم يتحرك.

 

قال آدم:

 

“يونس…”

 

أغمضت مريم عينيها.

 

“نعم.”

 

شهقت ليان.

 

“يونس ابنك؟”

 

قالت مريم:

 

“ابني.”

 

تراجع آدم خطوة.

 

“لكن… إنتِ قلتي إن ياسر هو أبو يونس.”

 

نظرت إلى ياسر.

 

فقال:

 

“كنت أربيه فقط.”

 

قالت مريم:

 

“ياسر أخي.”

 

ثم أضافت:

 

“والد يونس الحقيقي مات قبل أن يولد.”

 

نظر آدم إلى يونس.

 

كان واقفًا بصمت.

 

قال آدم:

 

“إذن ليه أخفيتيه؟”

 

أجابته مريم:

 

“لأن يونس كان أخطر من القطعتين.”

 

قال يونس:

 

“مش أنا اللي كنت خطر.”

 

نظر إليها.

 

“هم كانوا عاوزين اللي جوايا.”

 

تغير وجه آدم.

 

“إيه اللي جواك؟”

 

قال يونس:

 

“الذاكرة.”

 

ثم أشار إلى صدره.

 

“في ليلة اختفائنا، حصل شيء لم يحدث لأي إنسان قبلنا.”

 

تقدم ياسر.

 

“يونس…”

 

قال يونس:

 

“لازم يعرفوا.”

 

ثم نظر إلى آدم وليان.

 

“المدينة لم تحفظ المعرفة على جدرانها.”

 

“المدينة حفظتها داخل أشخاص.”

 

قال آدم:

 

“يعني إيه؟”

 

أجاب:

 

“كانوا يزرعون الذكريات.”

 

ساد الصمت.

 

قالت ليان:

 

“داخل البشر؟”

 

أومأ.

 

“كل حارس كان يحمل جزءًا من ذاكرة المدينة.”

 

قال آدم:

 

“وإحنا؟”

 

نظر يونس إليه.

 

“أنت تحمل ذاكرة الحارس الأول.”

 

ثم نظر إلى ليان.

 

“وهي تحمل ذاكرة الحارسة الثانية.”

 

وأخيرًا وضع يده على صدره.

 

“وأنا أحمل ذاكرة الحارس الثالث.”

 

قال آدم:

 

“لكننا مش فاكرين أي حاجة.”

 

ابتسم يونس بحزن.

 

“لأن الذكريات لم تستيقظ.”

 

سألته ليان:

 

“وإمتى هتستيقظ؟”

 

نظر إلى الخاتم والقلادة.

 

“عندما تكتمل القطع.”

 

قال آدم:

 

“إذن لما جمعناهم…”

 

قال يونس:

 

“بدأت الذاكرة تستيقظ.”

 

وفجأة…

 

أضاء الخاتم في يد آدم.

 

ثم أضاءت القلادة.

 

ثم بدأت القطعة الرابعة حول عنق يونس بالاهتزاز.

 

لكن هذه المرة حدث شيء مختلف.

 

صرخ آدم.

 

وضع يده على رأسه.

 

تراجعت ليان وهي تمسك برأسها أيضًا.

 

قال ياسر:

 

“بدأت!”

 

سقط آدم على ركبتيه.

 

رأى شيئًا.

 

لم يكن حلمًا.

 

كان مشهدًا من الماضي.

 

كان صغيرًا.

 

يقف أمام منزل قديم.

 

والده أمامه.

 

وبجواره رجل آخر.

 

كان والد ليان.

 

لكن لم يكن هذا أكثر ما صدمه.

 

كانت مريم تقف أمامهما.

 

تحمل طفلًا صغيرًا.

 

يونس.

 

سمع آدم صوت والده:

 

“لو حدث لنا شيء، خدي الأطفال الثلاثة.”

 

قالت مريم:

 

“لكنهم لا يعرفون بعضهم.”

 

أجاب:

 

“لا يجب أن يعرفوا.”

 

ثم قال:

 

“لأن اجتماعهم قبل الوقت سيقتلهم.”

 

اختفى المشهد.

 

ظهر مشهد آخر.

 

هذه المرة كان داخل مختبر.

 

مريم تبكي.

 

وياسر يقف أمامها.

 

وكان هناك رجل ثالث.

 

لم يظهر وجهه.

 

قال الرجل:

 

“أعطينا القطعتين.”

 

قالت مريم:

 

“لن أفعل.”

 

رد:

 

“إذن سنأخذ الأطفال.”

 

اقترب ياسر منها.

 

وقال:

 

“مريم، لازم تسلمي.”

 

صرخت:

 

“لن أعطيهم أولادي!”

 

ثم انطفأ المشهد.

 

فتح آدم عينيه.

 

كان يتنفس بصعوبة.

 

كانت ليان على الأرض أيضًا.

 

قالت:

 

“أنا شفت حاجة.”

 

نظر إليها.

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“شفت أبويا.”

 

سألها:

 

“قال إيه؟”

 

أجابت:

 

“كان بيقول إن الشخص اللي بيطاردنا… موجود وسطنا.”

 

نظر آدم إلى ياسر.

 

ثم إلى مريم.

 

ثم إلى يونس.

 

لكن ليان أمسكت بيده.

 

“مش ياسر.”

 

قال آدم:

 

“إزاي عرفتي؟”

 

قالت:

 

“لأن الصورة اللي شفتها كانت مختلفة.”

 

توقفت.

 

“كان فيه شخص خامس.”

 

قال ياسر:

 

“شخص خامس؟”

 

أومأت.

 

“وكان هو اللي واقف وراء أبويا وأبوك.”

 

قال آدم:

 

“مين؟”

 

أغلقت عينيها محاولة استعادة المشهد.

 

ثم فتحتها فجأة.

 

“لم أشاهد وجهه.”

 

قال يونس:

 

“لكنني شاهدته.”

 

نظر إليه الجميع.

 

قال:

 

“أنا أتذكره.”

 

اقترب آدم.

 

“مين؟”

 

رفع يونس عينيه.

 

“الرجل الذي كان والدك يخشاه.”

 

قال آدم:

 

“اسمه؟”

 

أجاب:

 

“لم يكن له اسم.”

 

“كانوا يسمونه…”

 

توقف.

 

ثم قال:

 

“صاحب النبض.”

 

ارتجفت مريم.

 

قال ياسر:

 

“مستحيل.”

 

نظر إليها آدم.

 

“إنتِ تعرفيه.”

 

قالت:

 

“نعم.”

 

“مين هو؟”

 

سكتت.

 

ثم قالت:

 

“هو السبب الحقيقي وراء كل شيء.”

 

سأل آدم:

 

“هل هو من المنظمة؟”

 

هزت رأسها.

 

“المنظمة تعمل عنده.”

 

تغير وجه ياسر.

 

“مريم، لا تقولي لهم.”

 

صرخت:

 

“لقد انتهى كل شيء!”

 

ثم نظرت إلى آدم وليان.

 

“صاحب النبض ليس شخصًا واحدًا فقط.”

 

قالت:

 

“إنه اسم يُطلق على من يملك القدرة على التحكم في ذاكرة الحراس.”

 

تجمد يونس.

 

“إذن هو عرف مكاني.”

 

قالت مريم:

 

“منذ سنوات.”

 

قال آدم:

 

“وليه ما أخدكش؟”

 

نظرت إليه.

 

“لأنه كان يحتاجني.”

 

“ليه؟”

 

قالت:

 

“لأنني كنت الوحيدة التي تعرف أين أخفى والدكما الحقيقة الأخيرة.”

 

سأل آدم:

 

“فين؟”

 

لم تجب.

 

اقترب ياسر منها.

 

“لا.”

 

قالت:

 

“لازم يعرفوا.”

 

ثم نظرت إلى آدم.

 

“الحقيقة الأخيرة ليست في المدينة.”

 

قالت ليان:

 

“إذن فين؟”

 

أشارت إلى الأرض.

 

“تحت هذا المكان.”

 

قال آدم:

 

“إحنا تحت الأرض أصلًا.”

 

هزت رأسها.

 

“لسه ما وصلناش للمكان الحقيقي.”

 

ثم قالت:

 

“المدينة التي تبحثون عنها ليست تحت الصحراء.”

 

توقفت.

 

“إنها تحت المدينة التي وُلدتم فيها.”

 

نظر آدم إليها غير مصدق.

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“والباب الذي سيقودكم إليها…”

 

نظرت إلى يونس.

 

“…موجود في المكان الذي بدأ منه كل شيء.”

 

سأل آدم:

 

“بيت أمينة؟”

 

تغير وجه مريم.

 

ثم أومأت.

 

“نعم.”

 

تجمدت ليان.

 

قال آدم:

 

“إذن أمينة كانت تعرف.”

 

قالت مريم:

 

“أمينة لم تكن امرأة عجوزًا عادية.”

 

ثم أضافت:

 

“كانت آخر حارسة للباب.”

 

وفي اللحظة نفسها…

 

انطلقت صفارة حادة داخل المكان.

 

أضاءت جميع الشاشات دفعة واحدة.

 

ظهرت خريطة لمدينة قديمة.

 

ثم بدأت نقطة حمراء تتحرك عليها.

 

قال ياسر:

 

“وجدونا.”

 

سأل آدم:

 

“مين؟”

 

أجاب ياسر:

 

“المنظمة.”

 

لكن يونس كان ينظر إلى الشاشة.

 

ثم قال:

 

“لا.”

 

اقترب.

 

“هذه ليست المنظمة.”

 

ظهرت على الشاشة صورة لرجل.

 

وجهه لم يكن واضحًا.

 

لكن تحت الصورة ظهرت كلمة واحدة:

 

صاحب النبض.

 

ثم ظهرت رسالة:

 

“أعيدوا لي الحراس الثلاثة.”

 

وتحتها مباشرة…

 

ظهرت صورة آدم وليان ويونس.

 

ثم ظهرت جملة جعلت مريم تصرخ:

 

“وإلا سأخبرهم من كانت أمهم الحقيقية.”

 

انطفأت الشاشة.

 

نظر آدم إلى مريم.

 

“أمنا الحقيقية؟”

 

لم تجب.

 

اقتربت ليان منها.

 

“مريم…”

 

لكن مريم كانت تنظر إلى الباب.

 

ثم قالت بصوت مرتجف:

 

“علينا أن نخرج.”

 

قال آدم:

 

“مش قبل ما تقولي الحقيقة.”

 

رفعت عينيها إليه.

 

وقالت:

 

“لو قلتها الآن…”

 

توقفت.

 

ثم أضافت:

 

“قد تكرهني أنت وليان إلى الأبد.”

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *