...
IMG 20260825 WA0016

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ظل آدم ينظر إلى مريم.

 

لم يعد يسمع صوت الإنذار.

 

ولا أصوات الأجهزة.

 

ولا حتى صوت يونس وهو يطلب منهم التحرك.

 

كل ما كان يسمعه هو آخر جملة قالتها مريم:

 

“قد تكرهني أنت وليان إلى الأبد.”

 

قال آدم ببطء:

 

“إحنا مش هنخرج من هنا قبل ما نعرف.”

 

اقتربت ليان منه.

 

“مريم… مين أمنا الحقيقية؟”

 

لم تجب.

 

قال ياسر:

 

“مريم، لازم نمشي.”

 

التفت إليه آدم بعنف.

 

“أنت كمان كنت عارف؟”

 

سكت ياسر.

 

فقال آدم:

 

“إنت عارف كل حاجة من البداية!”

 

رد ياسر:

 

“مش كل حاجة.”

 

“لكن عارف مين أمنا.”

 

أغمض ياسر عينيه.

 

ثم قال:

 

“نعم.”

 

نظر آدم إلى ليان.

 

كانت الدموع قد تجمعت في عينيها.

 

قالت:

 

“إذن كل اللي عشنا به كان كذب؟”

 

قالت مريم:

 

“لا.”

 

“إذن مين أنا؟”

 

اقتربت مريم من الزجاج.

 

وقالت:

 

“أنتِ ابنة المرأة التي حملت السر الأول.”

 

نظرت ليان إليها.

 

“اسمها؟”

 

ترددت مريم.

 

ثم قالت:

 

“سلمى.”

 

تغير وجه ياسر.

 

قال آدم:

 

“مين سلمى؟”

 

قالت مريم:

 

“كانت الباحثة التي سبقتني.”

 

ثم نظرت إلى ليان.

 

“وكانت أمك.”

 

تراجعت ليان خطوة.

 

“أمي ماتت وأنا صغيرة.”

 

قالت مريم:

 

“هذا ما قيل لك.”

 

“يعني هي عايشة؟”

 

لم تجب.

 

وهنا تدخل يونس لأول مرة.

 

قال:

 

“لا.”

 

التفت الجميع إليه.

 

“سلمى ماتت.”

 

نظرت إليه مريم.

 

فأكمل:

 

“لكنها لم تمت بالطريقة التي تعرفونها.”

 

قال آدم:

 

“إيه معنى الكلام ده؟”

 

اقترب يونس من الجهاز الموجود في منتصف الغرفة.

 

ضغط على أحد الأزرار.

 

اشتغلت شاشة صغيرة.

 

ظهرت امرأة شابة.

 

كانت تشبه ليان بشكل واضح.

 

شهقت ليان.

 

“دي أمي.”

 

ظهر التسجيل وهي تتحدث أمام الكاميرا:

 

“إذا شاهدتِ هذا التسجيل يا ليان، فهذا يعني أنني لم أستطع العودة.”

 

بدأ صوتها يرتجف.

 

“لكن هناك شيء يجب أن تعرفيه.”

 

نظرت المرأة مباشرة إلى الكاميرا.

 

“أنتِ لم تكوني طفلة عادية.”

 

أمسكت ليان بيد آدم.

 

تابعت سلمى:

 

“منذ ولادتك، ظهرت العلامة.”

 

ثم رفعت ذراعها.

 

كانت تحمل العلامة نفسها.

 

“والدك حاول حمايتك.”

 

ثم ظهر صوت رجل من خلف الكاميرا.

 

كان والد ليان.

 

قال:

 

“لا تقولي لها أكثر.”

 

ردت سلمى:

 

“ستعرف يومًا.”

 

قال:

 

“عندما تكون مستعدة.”

 

ثم عادت سلمى للنظر إلى الكاميرا.

 

“ليان… إذا وصلتِ إلى هذا المكان، فلا تثقي في أي شخص يقول لك إن أمك ماتت بسبب حادث.”

 

توقفت.

 

“أنا لم أمت في حادث.”

 

ساد الصمت.

 

ثم قالت:

 

“أنا قُتلت.”

 

شهقت ليان.

 

انقطع التسجيل.

 

قال آدم:

 

“مين قتلها؟”

 

نظر يونس إلى مريم.

 

لكن مريم لم تتكلم.

 

فقال ياسر:

 

“لم نعرف.”

 

صرخ آدم:

 

“كفاية!”

 

ثم ضرب بيده على الطاولة.

 

“كل مرة تقولوا مش عارفين!”

 

“كل واحد عنده جزء من الحقيقة!”

 

“وإحنا اللي بندفع الثمن!”

 

اقتربت مريم من الزجاج.

 

وقالت:

 

“والدتك لم تُقتل بسبب القطعتين.”

 

توقف آدم.

 

“إذن بسبب إيه؟”

 

قالت:

 

“بسببك أنت.”

 

نظر آدم إليها مذهولًا.

 

“أنا؟”

 

أومأت.

 

“كانت قد اكتشفت أن العلامة انتقلت إليك.”

 

صمتت لحظة.

 

“وعندما عرف صاحب النبض أنك موجود، قرر أن يأخذك.”

 

قال آدم:

 

“لكن ليه؟”

 

أجاب يونس:

 

“لأنك لم تكن الحارس الأول فقط.”

 

توقف.

 

ثم قال:

 

“أنت كنت أول طفل يولد بالذاكرة كاملة.”

 

لم يفهم آدم.

 

قال:

 

“إيه يعني؟”

 

قال ياسر:

 

“يعني أنك لم تكن بحاجة إلى القطعة كي تتذكر.”

 

اقترب يونس منه.

 

“الذاكرة كانت بداخلك منذ ولادتك.”

 

تغير وجه آدم.

 

وفجأة…

 

بدأ يسمع صوتًا داخل رأسه.

 

صوت امرأة.

 

هادئ.

 

حزين.

 

قالت:

 

“آدم…”

 

أمسك رأسه.

 

قالت ليان:

 

“آدم!”

 

ثم رأى.

 

رأى نفسه طفلًا صغيرًا.

 

كانت هناك امرأة تحمله.

 

لم يكن يعرفها.

 

لكن قلبه عرفها قبل عقله.

 

كانت سلمى.

 

أمه.

 

كانت تبكي وهي تقول:

 

“سامحني.”

 

ثم ظهر رجل خلفها.

 

رجل لم يرَ وجهه.

 

قال:

 

“أعطيني الطفل.”

 

صرخت سلمى:

 

“لن تأخذه.”

 

ثم ظهر والد آدم.

 

أمسك يدها.

 

وقال:

 

“اركضي.”

 

اختفى المشهد.

 

فتح آدم عينيه.

 

كان يبكي دون أن يشعر.

 

قالت ليان:

 

“إيه اللي شفته؟”

 

قال:

 

“أمي.”

 

سكت.

 

ثم نظر إلى مريم.

 

“أنا شفت أمي.”

 

قالت مريم:

 

“أعرف.”

 

“ليه ما قلتليش؟”

 

قالت:

 

“لأن ذاكرتك كانت محمية.”

 

“مين حماها؟”

 

أجابت:

 

“والدك.”

 

ثم أضافت:

 

“وأنا.”

 

نظر آدم إليها بغضب.

 

“إنتِ؟”

 

أومأت.

 

“أنا كنت الشخص الذي يمسح كل أثر للذاكرة كلما بدأت تستيقظ.”

 

تراجع آدم.

 

“يعني كنتِ بتتحكمي في ذاكرتي؟”

 

“كنت أحاول أحميك.”

 

قال:

 

“إنتِ كنتِ بتسرقي مني ذكرياتي!”

 

قالت:

 

“كنت أمنعهم من الوصول إليها.”

 

تدخل يونس:

 

“هي لم تكن تملك خيارًا.”

 

قال آدم:

 

“اسكت.”

 

نظر إليه.

 

“أنت ابنها.”

 

قال يونس:

 

“وأنا أكثر شخص يعرف ماذا فعلت.”

 

ثم اقترب من ليان.

 

“لكنها لم تكذب في شيء واحد.”

 

سألته:

 

“إيه؟”

 

قال:

 

“هي لم تكن أمك.”

 

تجمدت ليان.

 

ثم قال يونس:

 

“لكنها كانت أم آدم.”

 

نظر آدم إليه.

 

“ماذا؟”

 

تغير وجه مريم.

 

قالت:

 

“يونس…”

 

لكنه أكمل:

 

“مريم هي أمك الحقيقية يا آدم.”

 

انقطع صوت المكان.

 

حتى ياسر لم يتحرك.

 

نظر آدم إلى مريم.

 

لم تستطع النظر إليه.

 

قالت ليان:

 

“إذن…”

 

توقفت.

 

“أنا مش ابنتها.”

 

قال يونس:

 

“لا.”

 

ثم نظر إلى آدم.

 

“وأنت ابنها.”

 

اقترب آدم من الزجاج.

 

“ليه؟”

 

رفعت مريم رأسها.

 

وقالت:

 

“لأنني أنجبتك.”

 

ثم أضافت:

 

“لكنني لم أكن أستطيع أن أربيك.”

 

سأل آدم:

 

“ليه؟”

 

قالت:

 

“لأن والدك لم يكن والدك الحقيقي.”

 

ساد صمت ثقيل.

 

تجمدت ملامح آدم.

 

قال:

 

“إيه؟”

 

قالت مريم:

 

“والدك الذي تعرفه…”

 

توقفت.

 

“كان الرجل الذي ربّاك.”

 

ثم قالت:

 

“أما والدك الحقيقي…”

 

نظرت إلى ياسر.

 

ثم إلى يونس.

 

ثم قالت:

 

“هو الشخص الذي تبحثون عنه منذ البداية.”

 

اقترب آدم.

 

“مين؟”

 

لم تجب.

 

فجأة…

 

انفتح باب الغرفة بعنف.

 

دخل رجل ملثم.

 

رفع سلاحه.

 

وقال:

 

“انتهى وقت الكلام.”

 

تحرك ياسر أمام آدم.

 

وأمسك يونس بليان.

 

لكن الرجل لم يطلق النار.

 

بل ألقى شيئًا على الأرض.

 

كانت صورة قديمة.

 

نظر آدم إليها.

 

ثم سقطت الصورة من يده.

 

كان فيها ثلاثة أشخاص:

 

مريم.

 

سلمى.

 

ورجل يقف بينهما.

 

عرفه آدم فورًا.

 

كان الرجل الذي ظهر في كل التسجيلات.

 

كان صاحب النبض.

 

لكن المفاجأة الحقيقية كانت في الجملة المكتوبة خلف الصورة:

 

“ثلاثتهم أبناء الرجل نفسه.”

 

رفع آدم عينيه ببطء.

 

ثم نظر إلى ليان.

 

ثم إلى يونس.

 

وقال بصوت مرتجف:

 

“يعني إحنا…”

 

وقبل أن يكمل…

 

أُغلقت جميع أبواب المكان.

 

وانطفأت الأنوار.

 

وجاء صوت صاحب النبض من مكبرات الصوت:

 

“أخيرًا عرفتم لماذا لم يكن مسموحًا لكم أن تلتقوا.”

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *