الكاتب: محمد طاهر سيّار الخميسي
إنّها الحربُ اللعينة! ليست نزهةً سياحية، ولا مباراةً رياضية، ولا لعبةً ترفيهيةً عابرة. إنها المقبرة الجماعية التي تُحفر بالكرامة.
وليست سجالًا شعريًا فخمًا، ولا مجاراةً أدبية، ولا صورًا بلاغيةً جوفاء، وليست حياةً ورديةً كاذبة. إنها الحقيقة العارية التي نخاف أن نراها في المرآة.
الحربُ هي سِجالُ كرٍّ وفرٍّ قاتل، وحصادُ قتلٍ وأسرٍ، وجحيمُ نارٍ ودماءٍ، وزلازلُ وبراكينُ غضبٍ، ومجاعةٌ قاحلةٌ وعطشٌ مُحرق. إنها آلةٌ لا تنتج إلا الأرامل واليتامى.
لا تجد فيها راحة، ولا نومًا، ولا مبيتًا مطمئنًا. تعيش في دوامةِ تخبّطٍ وقلقٍ وتعبٍ وكوابيسَ سوداء، حتى تصبح فيها جثةً هامدةً في قفرةٍ موحشةٍ من قفراتها، وفي ساحاتها التي تنهشها النسورُ الجائعةُ والغربانُ الناعقةُ فوق بقايا الجثث. ويموت الإنسان فيها مرتين: مرةً حين يُقتل، ومرةً حين يُنسى.
وكل قتيلٍ فيها يستدعي سفك دمٍ جديد، وكل قطرة دمٍ لا تلد إلا مزيدًا من الدماء. والحربُ عاقرٌ تلقح وتلد بلا توقف. تلد الخرابَ المُطبق، والفقرَ المُدقع، والجوعَ الكافر، والموتَ الزؤام، واليتمَ القاسي، والذلَّ المُهين، والقهرَ المُر. إنها الرحم الذي لا ينجب إلا اللعنات.
لا أحد يشبع من لظى الحرب سوى الأرض المتعطشة التي ترتوي من الدماء، وتبتلع بنهمٍ أرواح الموتى تحت التراب. الأرض وحدها هي التاجر الرابح في سوق الموت.
ليست هذه المرة حربَ سباق فرسين أو مبارزةَ فارسين من عبس وذبيان. إنّها أطماعُ ساسةٍ خونة، ونفوذُ سلطةٍ مستبدة، وأنيابُ دولٍ غازيةٍ جشعة تريد نهب ثروات شعبٍ يموت جوعًا وهو يرقد فوق كنوز، وثرواته ما زالت حبيسةً في رحم جوف الأرض. إنهم يقتلوننا ببطء… ثم يبيعون لنا الكفن.
ألا تشبع، أيها التراب، سقيًا من الدماء الساكبة؟
ألا تشبعين، أيتها الأرض، من جثث قتلانا؟
ألا تشبعون، أيها الطغاة، من مص دمائنا، وشفط نفطنا، ونهب ثرواتنا؟ أم أن جوعكم للدم لا يرويه بحر؟
نحن لا نعرف الطعام إلا ما نراه على موائدكم،
ولا نعرف الصحة إلا حين نرى أجسامكم ممتلئةً بالبدانة،
ولا نعرف العلم إلا حين نرى أبناءكم يسافرون إلى دول أخرى طلبًا للعلم،
ولا نعرف الأمان… إلا حين نغمض أعيننا إلى الأبد.
![]()
