الكاتبة: عاليا عجيزة
كان العتم قد بدأ يتسلل بخفة إلى أركان المكتبة القديمة القابعة في أطراف المدينة، حين وضع جلال المفتاح النحاسي الثقيل فوق الطاولة الخشبية المصقولة. أحدث المعدن صفيرًا خافتًا ارتد في أرجاء القاعة المهجورة، محاطًا بأرفف خشبية عالية تتكدس عليها آلاف المجلدات التي طواها النسيان وراكم عليها الغبار سنوات طويلة. تنفس الصعداء وهو يمسح العرق عن جبهته، فما وصل إليه اليوم لم يكن مجرد ضربة حظ، بل كان حصاد سنوات طويلة من البحث والتقصي والنبش في أوراق أجداده الراحلين ومذكراتهم الغامضة التي تتحدث عن كنز معرفي مفقود.
أضاء المصباح الصغير ذو الشفرة الزجاجية الصفراء، فتمدد ضوؤه الخافت ليغمر المخطوط الكبير المفتوح أمامه على الحامل الخشبي العتيق. كانت الصفحات المصفرة السميكة تحمل حوافًا مزخرفة بنقوش دقيقة وألوان باهتة، تُشبه أغصان نباتات أسطورية تلتف بحرص حول سطور كُتبت بخط يدوي غريب يسحر الألباب. لم يكن كتابًا عاديًا مما يقرؤه الناس؛ بل كان السجل الأخير لحارس المكتبة الملكية القديمة الذي اختفى في ظروف غامضة ومجهولة منذ أكثر من قرنين من الزمان، دون أن يترك خلفه أثرًا سوى هذا الأثر الشامخ.
اقترب جلال بأصابعه المرتجفة من الشمع الأرجواني المذاب والختم الأحمر الدائري الذي كان يزين زاوية الطاولة بجانب المفتاح. كان يعلم جيدًا أن فتح هذا المخطوط وقراءته بحضور المفتاح الأصلي يعني إعادة فتح باب أُغلق بعناية شديدة لمنع السر القديم من الخروج إلى العالم الخارجي. تقول الأسطورة القديمة إن السطور الأخيرة في هذا الكتاب لا تُقرأ بالعين المجردة فحسب، بل تستدعي أحداثًا جرت بالفعل في الماضي البعيد، وتجبر من يقرؤها على مواجهة ما أُخفي تحت ثرى المدينة من أسرار مظلمة.
جذب جلال الكرسي الجلدي الضخم وجلس عليه بهدوء، بينما سرت برودة غريبة وغير معتادة في جو الغرفة المغلقة. ارتعش لهب المصباح وكأن أحدًا ينفخ عليه بهدوء من وراء الظلال. ألصق جلال نظره بالسطر الأول المكتوب بحبر أسود داكن، وأخذ يقرأ بصوت خفيض يملؤه التردد:
«من يملك المفتاح الذهبي ويعثر على الختم الأحمر الملكي، يجب عليه ألا يقلب الصفحة الأخيرة إلا إذا كان مستعدًا كاملًا لدفع الثمن الباهظ. لم تكن المعرفة يومًا مجانية أو سهلة المنال، وما حُفظ في القبو السفلي لم يكن مجرد كتب ومجلدات، بل كان حقيقة العرش وسقوط السلالة الحاكمة بأكملها».
توقف جلال عن القراءة لبرهة، وضربات قلبه تتسارع بشكل جنوني داخل صدره. تذكر وصية والده الأخيرة التي كان يكررها على مسامعه دائمًا قبل رحيله عن هذه الدنيا:
«هناك يا بني كتب لم تُكتب إطلاقًا لتقرأ، بل صُممت لتكون سجنًا يمتص السر ولا يتركه يخرج».
ولكن الفضول الذي يسري في دمه كان دائمًا أقوى من أي خوف أو تحذير. مد يده نحو المفتاح النحاسي المزخرف، وأدخله بحرص شديد في القفل الصغير المدمج داخل الغلاف الجلدي الثقيل للمخطوط.
سمع صوت تكّة جافة وقوية هزت أركان الطاولة، وانفتحت الطيات الأخيرة من المخطوطة العتيقة تلقائيًا. في تلك اللحظة بالذات، بدأت الظلال المحيطة بالمكتبة تتحرك وتتراقص على الجدران، وبدت أرفف الكتب العملاقة وكأنها تتسع وتتمدد نحو مجهول لا نهاية له. أدرك جلال أنه لم يعد مجرد قارئ يتصفح كتابًا عتيقًا في قاعة مهجورة، بل أصبح جزءًا من سر قديم ينبعث من جديد، ليغير مجرى حياته ويقوده إلى مسار مظلم ومليء بالمفاجآت التي لا يمكن التنبؤ بها.
رفع جلال رأسه قليلًا ليتأكد من سلامة الأبواب، فوجد أن باب المكتبة الرئيسي قد أغلق تمامًا دون أن يلمسه أحد. كان صوت الرياح في الخارج يعزف لحنًا جنائزيًا حزينًا، بينما كانت الصفحات تتنقل بنفسها أمامه، وكأن هناك يدًا خفية تقلبها له كي يقرأ ما خُفي عن البشرية لعقود طويلة. انحنى من جديد على الأوراق، وبدأ يقرأ بتركيز شديد الأسماء والتواريخ المكتوبة بدم متيبس في حواشي الكتاب، غير مدرك أن الوقت في العالم الخارجي قد توقف تمامًا، وأن رحلته في عالم الأسرار قد بدأت للتو، ولا طريق للعودة منها أبدًا.
![]()
