حوار : أحمد محمد
في زمن تتسارع فيه وسائل الإعلام وتتعدد فيه المنصات، تظل بعض الشخصيات قادرة على صناعة حضور يتجاوز حدود الشاشة والميكروفون، لأن رسالتها لا تقوم على الظهور فحسب، بل على الإيمان بأن للكلمة مسؤولية، وللصوت أثرًا، وللإعلام دورًا حقيقيًا في بناء الوعي وخدمة المجتمع.
ومن بين هذه النماذج تبرز الإعلامية القديرة آلاء حلمي ذخيرة، مقدمة برنامج «ويبقى الأثر»على قناة الحدث اليوم، والتي جمعت خلال مسيرتها بين العمل التلفزيوني والإذاعي، وإعداد البرامج، والتعليق الصوتي، وتقديم المؤتمرات والندوات، إلى جانب مشاركاتها في العمل الوطني والخدمي والحقوقي.
وقدمت خلال مسيرتها عددًا من البرامج التلفزيونية والإذاعية، من بينها البرامج الرمضانية «بأي قلب نلقاه»، و«غريب القرآن»، و«من أقوال العلماء»، و«بلغوا عني ولو آية»، إلى جانب مشاركتها في العديد من الإعلانات التلفزيونية والمواد الوثائقية وغيرها من الأعمال المرتبطة بمجال التعليق الصوتي.
وفي هذا الحوار، نتعرف إلى رؤيتها لمستقبل التعليق الصوتي في مصر، ومقارنتها بين الإعلام القديم والجديد، وتأثير التريندات على الساحة الإعلامية، ورسالتها من خلال برنامج «ويبقى الأثر».
*كيف ترين واقع مجال التعليق الصوتي في مصر اليوم؟ وهل ترين أنه حصل على حقه من الانتشار والتقدير؟*
بصراحة، عندما ننظر إلى مجال التعليق الصوتي في مصر اليوم، نجد أنه يعيش مرحلة متناقضة إلى حد كبير؛ فمن ناحية، يشهد انتشارًا غير مسبوق ونموًا واضحًا، ومن ناحية أخرى، لا يزال يبحث عن حقه في التقدير المهني الحقيقي.
فعلى مستوى الانتشار والنمو التجاري، أحدثت ثورة الإعلام الرقمي طفرة حقيقية؛ فقد أصبحت الشركات والإعلانات أكثر وعيًا بأن الصوت هو روح المحتوى، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على التعليق الصوتي بشكل ملحوظ.
كما أن تنوع المنصات، وانتشار البودكاست، والفيديوهات الترويجية، والكتب الصوتية، فتح أسواقًا جديدة أمام المعلقين الصوتيين، وجعل الجمهور أكثر اعتيادًا على الاستماع إلى الأصوات الاحترافية.
أما على مستوى التقدير المهني، فما زالت هناك تحديات تحتاج إلى وقفة حقيقية، من أبرزها فوضى الأسعار، ودخول أعداد كبيرة إلى المجال دون امتلاك الخبرة الكافية، وهو ما أدى أحيانًا إلى منافسة غير عادلة وحرق للأسعار، الأمر الذي يظلم المحترفين الذين يستثمرون في أدواتهم وتدريبهم ودراستهم.
كما أن بعض الجهات لا تزال تنظر إلى التعليق الصوتي باعتباره مجرد قراءة لنص، بينما هو في الحقيقة فن أداء يحتاج إلى تقنيات وصوت وتعبير وإحساس وقدرة على إيصال المعنى.
وباختصار، أرى أن المجال يعيش عصره الذهبي من حيث الانتشار والكم، لكنه لا يزال يحتاج إلى المزيد من الجهود حتى يثبت قواعده من حيث الجودة والكيف وحفظ حقوق العاملين فيه.
*كيف تقيمين الإعلام الحالي مقارنة بالإعلام القديم؟ وأيهما ترين أنه الأقوى في إيصال الرسالة الحقيقية إلى الجمهور؟*
الإعلام القديم كان يتمتع بهيبة ومصداقية وثقل حقيقي. كانت الكلمة تمر عبر مراحل من المراجعة والتدقيق قبل أن تصل إلى الجمهور، ولذلك كان لها وزن وتأثير كبيران.
صحيح أن الإعلام القديم كان أبطأ، وكانت شاشته في الغالب أحادية الاتجاه، لكنه كان يمتلك قدرًا كبيرًا من العمق والاحترام لعقل المتلقي، وهو ما جعل تأثير الكثير من برامجه مستمرًا حتى اليوم.
أما الإعلام الحديث، ومعه وسائل التواصل الاجتماعي، فقد جعل الوصول إلى الجمهور أسرع وأسهل، وأصبح الجمهور نفسه شريكًا في صناعة المحتوى من خلال التفاعل والمشاركة والتعليق.
لكن في المقابل، ظهرت فوضى التريند والمحتوى السطحي الذي يلاحق الأرقام أحيانًا على حساب الحقيقة والمهنية.
لذلك أرى أن الأفضل والأقوى ليس الأداة في حد ذاتها، وإنما الروح التي تقف خلفها. فالإعلامي الحقيقي يستطيع أن يستفيد من سرعة وانتشار الإعلام الجديد، وفي الوقت نفسه يحافظ على قيم ومصداقية وعمق إعلام الأمس.
وهذا تحديدًا ما أحاول تقديمه من خلال برنامجي «ويبقى الأثر»، فاختيار الاسم لم يكن عشوائيًا أو مجرد عنوان لبرنامج، وإنما جاء من إيماني بأن الأثر الطيب والرسالة الصادقة والمعلومة المفيدة هي الأشياء التي تبقى عبر العصور.
لقد تربينا على برامج جميلة كانت تحثنا على القيم والأخلاق، وتقدم معلومات مفيدة لعقولنا وتلامس قلوبنا، ولذلك ما زالت عالقة في ذاكرتنا حتى اليوم. وهذا هو الأثر الحقيقي الذي أتمنى أن أتركه من خلال عملي.
خلال الفترة الماضية، انتشرت ظاهرة التريندات وأصبحت تسيطر بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي. هل تعتقدين أننا نستطيع السيطرة عليها، وتحديد ما يظهر وما يختفي من الساحة؟
السيطرة المطلقة على التريندات أصبحت أمرًا صعبًا جدًا، لأن وسائل التواصل الاجتماعي تقوم في الأساس على تفاعل الجمهور والخوارزميات، لكننا نستطيع توجيه جزء كبير من هذا المشهد من خلال خطوات واعية وذكية.
ومن أهم هذه الخطوات صناعة البديل الإيجابي. فعندما نقدم محتوى هادفًا، بجودة عالية، وقادرًا على التأثير، فإننا نستطيع تدريجيًا أن نسحب البساط من المحتوى السطحي.
كما أن عدم منح التريندات السلبية أو التافهة التفاعل الذي تبحث عنه يعد من أقوى الوسائل للحد من انتشارها؛ فالمشاهدة والمشاركة وإعادة النشر كلها تمنح هذا النوع من المحتوى مزيدًا من الظهور.
وهنا يأتي دور المنصات وصناع المحتوى والمؤثرين في توجيه الاهتمام نحو القضايا الحقيقية والمحتوى الذي يحمل قيمة، بدلًا من دعم ما يقوم فقط على الإثارة أو الغرائز.
وفي النهاية، المسألة تحتاج إلى وعي جماعي، وإلى أن نعمل جميعًا على نشر المحتوى الراقي والهادف، حتى يصبح هو السائد والمسيطر على المشهد.
*لو طلبنا منكِ أن تختاري جملة واحدة تكون رسالة توعية وبصمة صوتية لا تُنسى، فماذا تقولين؟*
«الأيام تمر، لكن بصمتك تبقى.. اترك في كل قلب أثرًا طيبًا، حتى إذا غاب صوتك يومًا، بقيت سيرتك الطيبة حيّة.»
هذه بالنسبة لي ليست مجرد جملة، وإنما رسالة أؤمن بها في حياتي وفي عملي.
*إذا عُرض عليكِ دور تمثيلي مصور، ورأيتِ أنه قادر على إيصال رسالتك بشكل أسرع إلى الجمهور، فهل يمكن أن تقبلي خوض تجربة التمثيل؟*
من وجهة نظري، هناك طرق كثيرة غير التمثيل المصور قادرة على إيصال الرسالة بقوة، خصوصًا أنني أعمل في مجال التعليق الصوتي، وسبق أن شاركت في مسلسلات إذاعية، وهذا يؤكد أن الصوت وحده قادر على صناعة حالة خاصة جدًا والوصول إلى مشاعر الجمهور.
أما إذا تحدثنا عن الشاشة والصورة، فأنا أرى أن برامج التوعية هي الأقرب إلى توجهي، أو أن أقدم رسالة هادفة من خلال استضافة شخصيات مؤثرة وفاعلة في المجتمع.
وأعتقد أن هذه الطرق يمكن أن تكون أكثر صدقًا وقربًا من قلوب الناس بالنسبة لي، لأنها تمنحني فرصة لتقديم رسالة حقيقية ومناقشة قضايا تهم المجتمع.
*في ختام هذا الحوار، ماذا تقولين لمجلة «الرجوة الأدبية» وللقائمين عليها؟*
أحيانًا تأتي الحروف وحدها لتعبر عن الامتنان لمكان يعرف قيمة الكلمة ويمنحها حقها. ومجلة «الرجوة الأدبية» ليست مجرد منبر ثقافي، وإنما مساحة رحبة تلامس الروح قبل العين، وتعيد للحرف معناه الحقيقي والدافئ.
أتوجه إليكم بكل الشكر والتقدير على كل جهد يُبذل من أجل هذا الصرح الجميل، وعلى إتاحة المساحة لكل قلم صادق يبحث عن الجمال ويؤمن بقيمة الكلمة.
كما أن كلمة الشكر لا يمكن أن تفي حق كل من ساندني في مسيرتي؛ وأخص بالذكر والديّ وإخوتي، ثم زوجي وبناتي، الذين كانوا دائمًا مصدر دعم وسند لي.
وأوجه شكرًا خاصًا إلى عائلتي، عائلة ذخيرة في الوادي الجديد ، وإلى كل شخص وقف بجانبي وساندني في مشواري في مجال الإعلام والتعليق الصوتي.
لكل هؤلاء أقول: شكرًا من القلب، فنجاح الإنسان لا يصنعه وحده، وإنما تقف خلفه دائمًا عائلة تؤمن به، وأشخاص يمنحونه الثقة والدعم في كل خطوة.
وأتمنى أن أظل دائمًا قادرة على تقديم رسالة صادقة وهادفة، وأن يكون ما أقدمه بالفعل أثرًا طيبًا يبقى بعدنا.
*وفي النهاية، كل الشكر والتقدير لكِ على هذا الحوار الثري، وعلى وقتكِ وكلماتكِ الصادقة، مع خالص تمنياتنا لكِ بدوام النجاح والتوفيق، وأن يظل ما تقدمينه من عمل ورسالة أثرًا طيبًا يبقى ويستمر.*
![]()
