حوار : أحمد محمد
من رحم المسؤولية، وفي مواجهة قسوة الأيام، وُلد صوتٌ أدرك مبكرًا أن الكلمة قد تكون طوق نجاة، وأن القلم لا يكون مجرد وسيلة للكتابة، بل أداة للتعبير والمقاومة وصناعة الأثر.
هديل سيف قنديل، كاتبة من المملكة الأردنية الهاشمية، بدأت رحلتها مع الكتابة عام 2020، فواجهت خلالها العديد من التحديات والظروف التي دفعتها في مرحلة من المراحل إلى الابتعاد عن الكتابة، قبل أن تعود إليها بإصرار أكبر وإيمان أعمق برسالتها.
في هذا الحوار، تتحدث هديل عن علاقتها بالكتابة، ورسالتها تجاه المرأة والمجتمع، ورؤيتها للإعلام القديم والحديث، وتأثير الترندات في الساحة العربية، كما تكشف عن رأيها في مجال التعليق الصوتي والذكاء الاصطناعي، وتتحدث عن إمكانية انتقال تجربتها الأدبية إلى مجال التمثيل، مؤكدة أن هدفها لا يقتصر على الظهور، وإنما يتمثل في صناعة أثر يبقى.
*استاذة هديل، مجال الكتابة بالنسبة إليكِ، هل اتجهتِ إليه حبًّا في المجال، أم أن لديكِ رسالة ترغبين في إيصالها من خلاله؟*
الكتابة بالنسبة إليّ بدأت حبًّا، ثم تحولت مع الوقت إلى رسالة. فأنا لا أكتب لمجرد الكتابة، بل لأنني أؤمن بأن الكلمة قادرة على الوصول إلى أماكن لا يستطيع الصوت الوصول إليها.
أكتب عن الإنسان، وعن المرأة، وعن الوجع الذي نخفيه خلف ابتساماتنا، وعن القوة التي تولد من رحم القسوة والألم. أحاول أن أمنح من لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم مساحةً تتحدث عنهم.
وبالنسبة إليّ، أجمل ما في الكتابة أن أترك أثرًا في قلب قارئ، ولو بكلمة واحدة جعلته يشعر بأنه ليس وحده. لذلك نعم، أحب الكتابة، لكنني أؤمن أيضًا بأن القلم أمانة ورسالة ومسؤولية.
ما الموضوع الذي تفكرين في الكتابة عنه خلال الفترة المقبلة؟
سأركز على قوة المرأة، ليس لأنها لا تنكسر، وإنما في قدرتها على جمع شظاياها والنهوض من جديد.
أكتب عن المرأة التي تواجه الحياة بكل ما تحمله من قسوة، وعن صمودها حين تثقلها الأيام، وعن قدرتها على اختيار نفسها حين يصبح الاستمرار مؤلمًا.
أكتب عن وجعها الذي لا يراه أحد، وعن أحلامها التي تتمسك بها رغم كل ما يحاول إطفاءها، وعن تلك القوة التي لا تعني أن تتحمل كل شيء، بل أن تعرف متى تصمد، ومتى ترفض، ومتى تبدأ من جديد.
أؤمن بأن لكل امرأة حكاية تستحق أن تُروى، وصوتًا يستحق أن يُسمع، ولهذا أحاول أن أترك في كلماتي مساحةً لكل امرأة ترى نفسها بين السطور.
*ما رأيكِ في مجال التعليق الصوتي؟ وهل ترين أنه حصل على حقه من الانتشار والاهتمام داخل الوطن العربي؟*
بصراحة، أرى أن مجال التعليق الصوتي في الوطن العربي يمتلك مستقبلًا قويًّا جدًا، سواء في البرامج الإذاعية أو في إلقاء النصوص أو غيرها من المجالات التي تعتمد على قوة الصوت وحسن الأداء.
لكنني أرى في الوقت نفسه أنه لم يحصل حتى الآن على حقه الكامل من الانتشار والاهتمام، رغم التطور الكبير الذي يشهده المجال، ورغم حاجة العديد من المنصات والمحتويات إلى أصوات متميزة قادرة على إيصال الرسالة بصورة احترافية ومؤثرة.
*كيف تنظرين إلى الإعلام الحالي مقارنةً بالإعلام القديم؟ وأيهما ترينه أقوى في إيصال الرسالة الحقيقية؟*
بصراحة، لا أرى أن المقارنة بين الإعلام القديم والإعلام الحالي يجب أن تكون قائمة على سؤال: من الأفضل بشكل مطلق؟ وإنما على سؤال أهم: من يستطيع إيصال الحقيقة وسط كل هذه الضوضاء بصورة أكثر موثوقية؟
الإعلام القديم كان أقوى في التمهّل والتحقيق وبناء المادة الصحفية، وكان المتلقي يعرف غالبًا مصدر الخبر وينتظر نشرة أو صحيفة محددة. وكانت الرسالة تمر عبر مراحل من التحرير والمراجعة، وهذا منح المحتوى قدرًا أكبر من التنظيم والتدقيق والموثوقية.
أما الإعلام الحالي، فأبرز ما يميزه هو السرعة والقدرة الهائلة على الوصول. فأي شخص تقريبًا يستطيع نقل حدث بالصوت والصورة خلال دقائق، وهو ما منح الجمهور مساحة أكبر للتعبير وكسر احتكار المؤسسات للمعلومة.
لكن المشكلة أن السرعة نفسها قد تتحول إلى نقطة ضعف، خصوصًا مع انتشار الشائعات والعناوين المضللة واجتزاء الكلام من سياقه. لذلك أرى أن قوة الإعلام لا تقاس فقط بسرعة الوصول، وإنما بقدرته على تقديم الحقيقة بمهنية ومسؤولية.
*في الفترة الأخيرة، انتشرت ظاهرة الترندات وسيطرتها على مواقع التواصل الاجتماعي. هل ترين أننا قادرون على التحكم فيما نظهره وما نخفيه عن الساحة؟*
هناك ترندات من المهم أن نشارك فيها، لأنها تساهم في إيصال أصوات مهمة، أو دعم المواهب، أو تسليط الضوء على قضايا إنسانية تستحق الاهتمام. وفي المقابل، هناك ترندات إذا ساهمنا في نشرها فإننا نظلم أنفسنا قبل أي شيء، لأننا نساعد على انتشار محتويات لا قيمة حقيقية لها، وقد تحمل رسائل سلبية أو تساهم في الترويج للفساد والانحلال الأخلاقي.
المشكلة ليست في وجود الترندات، وإنما في المحتوى الذي نختار أن نمنحه أهمية.
يمكننا أن نستخدم قوة الترند في دعم القضايا الإنسانية، مثل القضية الفلسطينية، وقضايا المرأة، ودعم أصحاب المواهب. لكن للأسف، ساهم بعض المؤثرين أحيانًا في إبعاد الاهتمام عن قضايا أكثر أهمية من خلال التركيز على التفاهات.
كما أن قضايا المرأة ما زالت بحاجة إلى مساحة أكبر في الإعلام، خصوصًا أن النظرة الذكورية للمجتمع تجعل المرأة في كثير من الأحيان تُقدَّم بصورة نمطية أو تُعامل وكأنها مجرد أداة.
أما المواهب، فهناك منصات كثيرة لا تمنحها فرصة حقيقية إلا مقابل مبالغ مالية مرتفعة، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، قد يؤدي ذلك إلى دفن الكثير من المواهب قبل أن تحصل على فرصتها.
*لو أتيحت لكِ جملة واحدة لتكون رسالة توعوية وبصمة صوتية لا تُنسى، ماذا ستقولين؟*
أؤمن أن الكلمة أمانة؛ فإما أن نترك بها نورًا في طريق أحدهم، أو نكون جزءًا من ظلامه، فاختر أثرك قبل أن تختار كلماتك.
*إذا عُرض عليكِ دور تمثيلي مصوّر يمكن أن يوصل رسالتك بصورة أسرع، فهل يمكن أن تقبلي خوض تجربة التمثيل؟*
نعم، إذا كان الدور يحمل رسالة حقيقية ومحترمة ويترك أثرًا عند الناس، فسأقبله.
أنا لا أبحث فقط عن الظهور، وإنما عن عمل يجعل لظهوري معنى، ويمنحني فرصة لتقديم شيء يستحق أن يصل إلى الجمهور.
*الذكاء الاصطناعي انتشر بصورة كبيرة وتدخل في معظم المجالات والأفكار ومواقع التواصل الاجتماعي. من وجهة نظرك، هل يمكن أن يصبح بديلًا عن الإنسان؟ وهل يمكن خلال السنوات المقبلة أن يعتمد الناس عليه في العمل بصورة أكبر والعمل عن بُعد؟*
لا أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيكون بديلًا كاملًا عن الإنسان، لأنه لا يمتلك المشاعر والإتقان الإنساني بالشكل نفسه.
وأرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن الذكاء الاصطناعي سيأخذ مكان الإنسان، وإنما في أن إنسانًا يستخدم الذكاء الاصطناعي بكفاءة قد يأخذ مكان إنسان آخر لا يعرف كيفية استخدامه.
لذلك أرى أن الحل ليس في الخوف من الذكاء الاصطناعي، وإنما في تعلم كيفية التعامل معه والاستفادة منه، مع الحفاظ على الدور الإنساني والإبداعي الذي لا يمكن اختزاله بالكامل في التكنولوجيا.
*وفي ختام هذا الحوار، ماذا تحبين أن تقولي لمجلة الرجوة الأدبية؟*
في النهاية، أحب أن أوجّه كلمة شكر وامتنان إلى مجلة الرجوة الأدبية؛ شكرًا لكل مساحة تمنح القلم فرصة ليُسمع، وللموهبة فرصة لتنمو، وللكلمة فرصة لتصل إلى من يحتاجها.
وأتمنى أن تبقى المجلة بيتًا دافئًا للمبدعين، ومنبرًا يحتضن الأقلام المختلفة، ويؤمن بأن الأدب ليس مجرد حروف، وإنما أثر ورسالة وذاكرة.
وأتوجه بالشكر إليكم أستاذ أحمد على هذه المقابلة الرائعة، وأتمنى لكم ولمجلة الرجوة الأدبية مزيدًا من النجاح والتألق، وأن تستمروا دائمًا في دعم المبدعين ومنح أصواتهم المساحة التي يستحقونها.
![]()
