الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
توقفت خطوات الرجل أمام أحمد ومحمد
كان يقف في نهاية القاعة
وجهه لم يكن واضحًا
لكن الختم الموجود في يده كان واضحًا تمامًا
نفس الختم الذي ظن أحمد ومحمد أنه اختفى إلى الأبد
قال أحمد
“إنت مين”
لم يجب الرجل
رفع يده فقط
فبدأت النقوش على الجدران تضيء واحدًا وراء الآخر
عين
تاج
يد
قلب
ثم ظهر الختم
قال محمد
“ده ختم العرش”
أجاب الرجل
“لأ”
ثم تقدم خطوة
“ده ختم الحارس”
تراجع محمد
“الحارس مات”
قال الرجل
“واحد مات”
ثم أضاف
“لكن العهد لا يموت”
—
بدأت القاعة تتغير
اختفى التمثال
وظهرت أمامهما صورة قديمة
كان الدكتور مصطفى يقف أمام البعثة الأولى
بجواره والد عبد الرحمن
وفارس
والرجل الرابع
لكن هذه المرة ظهر وجه الرجل بوضوح
كان هو الرجل الذي يقف أمامهما
قال أحمد
“إنت كنت معاهم”
أجاب
“كنت معهم قبل أن تعرفوا أنكم ستأتون”
قال محمد
“اسمك إيه”
ظل صامتًا
ثم قال
“اسمي لا يهم”
سأله محمد
“إنت اللي صنعت العرش”
أجاب
“لا”
ثم نظر إلى الجدران
“العرش لم يصنعه شخص واحد”
—
ظهرت صور أخرى
علماء
كهنة
كتبة
حراس
ملوك
ثم ظهرت غرفة كبيرة مليئة بالبرديات
قال الرجل
“كان هناك مكان يحفظ فيه العظماء أسرارهم”
قال أحمد
“أسرار إيه”
أجاب
“أسرار العلم”
ثم قال
“الفلك”
“الطب”
“الهندسة”
“الزراعة”
“اللغة”
“ومعارف لم تصل إلى عصرنا”
قال محمد
“وده سبب العرش”
هز الرجل رأسه
“في البداية كان وسيلة للحفظ”
ثم تغير صوته
“لكن بعد ذلك تحول إلى وسيلة للسيطرة”
—
ظهرت صورة رجل قديم يضع يده على العرش
ثم ظهرت حوله مجموعة من الرجال
قال الرجل
“بدأوا يستخدمون المعرفة ضد بعضهم”
ثم قال
“كل من أراد الوصول إلى الأسرار كان عليه أن يقدم شيئًا”
سأل أحمد
“إيه”
أجاب
“عهدًا”
قال محمد
“وعهد إيه”
أجاب
“أن يحمي السر حتى الموت”
ثم نظر إلى أحمد
“لكن بعضهم خان”
ثم نظر إلى محمد
“وبعضهم حاول كشف كل شيء”
ثم قال
“وبعضهم حاول تدميره”
—
ظهرت صورة البعثة الأولى
قال الرجل
“الدكتور مصطفى كان واحدًا من الذين حاولوا الفهم”
ثم ظهرت صورة والد عبد الرحمن
“والده كان واحدًا من الذين حاولوا الحماية”
ثم ظهرت صورة فارس
“وفارس كان واحدًا من الذين أرادوا امتلاك المعرفة”
قال أحمد
“والشخص الرابع”
أجاب
“كنت أنا”
سأل محمد
“إنت كنت عايز إيه”
قال الرجل
“كنت أريد أن أخرج العهد من المكان”
ثم سكت
“لكنني فشلت”
—
قال أحمد
“إنت اللي سببت كل اللي حصل”
أجاب
“أنا فتحت الباب”
ثم نظر إليهما
“لكنني لم أصنع اللعنة”
سأله محمد
“مين صنعها”
أجاب
“أنتم”
تجمد الاثنان
قال أحمد
“إحنا”
أجاب الرجل
“كل من يدخل المكان ويعرف السر يصبح جزءًا منه”
ثم أضاف
“لكنكم أنتم آخر من بقي”
—
أخرج محمد دفتر الدكتور مصطفى
قال
“الدكتور كان عارف إننا هنصل هنا”
أجاب الرجل
“كان يعرف”
“وكان عارف إن عبد الرحمن هيموت”
“أيوه”
قال أحمد بغضب
“ليه ما حاولش يمنعه”
أجاب الرجل
“لأنه عرف الحقيقة متأخرًا”
قال محمد
“إيه الحقيقة”
نظر الرجل إلى الختم
“أن العرش لا يحتاج أربعة”
ثم قال
“كان يحتاج اثنين فقط”
سأل أحمد
“مين”
أجاب
“حامل المعرفة”
ثم نظر إلى أحمد
“وحامل الظل”
—
بدأت العلامتان على يدي أحمد ومحمد تتصلان
ظهر بينهما خط ضوء
ثم اتجه إلى العرش الحجري
بدأت الأرض تهتز
قال الرجل
“الآن يمكنكم إنهاء العهد”
قال محمد
“إزاي”
أجاب
“بأن تختاروا”
قال أحمد
“نختار إيه”
قال
“إما أن تحفظوا المعرفة”
ثم أشار إلى البرديات
“أو تدفنوها”
قال محمد
“ولو حفظناها”
أجاب
“سيعود العرش مرة أخرى”
قال أحمد
“ولو دفناها”
“تنتهي اللعنة”
—
نظر محمد إلى الدفتر
ثم إلى الختم
ثم إلى أحمد
قال
“مصطفى مات علشان نوصل للنهاية”
قال أحمد
“وعبد الرحمن مات علشان يتحرر والده”
ثم قال
“مش هنخلي موتهم يضيع”
أغلق محمد الدفتر
وقال
“ندفن كل شيء”
هز أحمد رأسه
“معاك”
—
اقتربا من العرش
وضع محمد الدفتر في التجويف الموجود أسفله
ووضع أحمد الختم فوقه
بدأت البرديات تختفي
واحدة تلو الأخرى
ثم بدأت الكتابات الموجودة على الجدران تمحى
لكن قبل أن تختفي آخر كتابة
ظهر سطر واحد
“من يدفن الحقيقة لا يملك حق نسيانها”
قال محمد
“إحنا مش هننساها”
ثم أضاف
“بس مش هنسمح لحد يستخدمها”
—
بدأ الرجل يتراجع
قال أحمد
“إنت هتروح فين”
أجاب
“انتهى دوري”
قال محمد
“استنى”
توقف الرجل
“إيه”
سأله محمد
“هل الدكتور مصطفى كان يعرفك”
أجاب
“أكثر مما تتخيل”
قال محمد
“وهل كان عارف إن نهايته هتكون هنا”
قال الرجل
“منذ عشرين سنة”
ثم أضاف
“لكنه عاد رغم ذلك”
سأله أحمد
“ليه”
قال الرجل
“لأنه كان يريد أن يصلح خطأه”
ثم اختفى في الظلام
—
بقي أحمد ومحمد وحدهما
بدأت القاعة تنهار
قال أحمد
“لازم نخرج”
ركضا نحو الممر
وخلفهما كانت الأحجار تسقط
حتى وصلا إلى الخارج
وفور خروجهما
انغلق المدخل بالكامل
لم يبق أي أثر له
كأن المكان لم يكن موجودًا من الأساس
وقفا أمام الأرض
صامتين
قال محمد
“انتهت”
قال أحمد
“يمكن”
ثم أضاف
“بس إحنا فقدنا اتنين”
نظر محمد إلى السماء
وقال
“مصطفى”
ثم
“عبد الرحمن”
وسكت
—
بعد أيام
عاد أحمد ومحمد إلى حياتهما
لكن لا شيء كان كما كان
احتفظ محمد بدفتر واحد فقط
أما أحمد فاحتفظ بالختم
لكن الختم لم يعد يضيء
ولم تعد العلامة تظهر على أيديهما
بدأت الأيام تمر
ثم الشهور
ثم السنوات
ولم يحدث شيء
حتى ظنا أن كل شيء انتهى بالفعل
لكن في ليلة هادئة
فتح محمد الدفتر
وجد صفحة جديدة
لم تكن موجودة من قبل
كانت مكتوبة بخط الدكتور مصطفى
“إذا قرأت هذه الصفحة”
“فهذا يعني أنكما نجحتما”
ثم
“لا تبحثا عني”
“ولا تبحثا عن عبد الرحمن”
“لقد دفع كل منا ثمن دوره”
ثم جملة أخيرة
“اجعلا قصتنا تنتهي عندكما”
أغلق محمد الدفتر
وقال
“هتنتهي”
—
مرت سنوات طويلة
ثم أصبح أحمد ومحمد رجلين كبيرين
وكان كل واحد منهما يحمل ذاكرة لم يعرفها أحد
لم يتحدثا عن الأمر إلا نادرًا
لكن قبل أن يفترقا بسنوات
قال محمد لأحمد
“لو حد سألنا يومًا عن اللي حصل”
أجاب أحمد
“نحكي”
قال محمد
“بس نحكي كل الحقيقة”
هز أحمد رأسه
“من غير ما نقول المكان”
ثم ابتسم
“علشان ما يكررهاش حد”
—
ومرت سنوات أخرى
ومات محمد
ثم مات أحمد بعده بسنوات
لكن القصة لم تمت
لأنهما تركا وراءهما أبناء وأحفادًا
وحفظوا ما حدث
ليس بحثًا عن المجد
ولا عن الكنوز
بل حتى يعرف الناس
أن بعض الأسرار
يجب أن تبقى مدفونة
وفي آخر ليلة قبل رحيله
ترك محمد رسالة لأحفاده
وكان أول سطر فيها
“لو وصلت إليكم هذه القصة فاعلموا أن أربعة رجال دخلوا مكانًا بحثًا عن الحقيقة”
ثم
“خرج منهم اثنان فقط”
ثم
“لكن الحقيقة لم تخرج معهم”
وفي آخر الصفحة
كتب جملة واحدة
“انتظروا النهاية في الصفحة الأخيرة”
لأن ما تبقى لم يعد بحثًا عن العرش
بل كان السؤال الأخير
**هل انتهت اللعنة فعلًا
أم أن أحدًا آخر كان قد وجد الطريق إليها؟**
انتظروا الجزء القادم
![]()
