الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
ظل الأربعة ينظرون إلى نور بعد جملتها الأخيرة:
“هو الشخص الذي ظن أبي أن المنظمة قتلته… لكنه كان حيًا.”
لم يتكلم أحد.
حتى الدكتور يحيى نفسه بدا وكأنه لم يتوقع أن تسمع نور هذه المعلومة.
قال آدم:
“مين الشخص ده؟”
هزت نور رأسها.
“مش عارفة اسمه.”
ثم أغمضت عينيها.
“لكن أقدر أوصفه.”
قالت مريم:
“مش دلوقتي.”
نظر إليها الجميع.
قالت:
“المومياء أهم.”
ثم أشارت إلى التابوت.
“إحنا وعدنا إننا نحافظ عليها.”
أومأ الدكتور يحيى.
“وده اللي هيحصل.”
أغلق ملفه.
“لكن لازم نتحرك فورًا.”
قال آدم:
“على فين؟”
أجاب:
“إلى الجهة المختصة.”
ثم نظر إلى المومياء.
“لكن من اللحظة دي، الموضوع لم يعد رحلة شخصية.”
“أصبح قضية أثرية وأمنية.”
—
تحركت السيارة في طريق طويل.
كان التابوت مؤمّنًا داخل مركبة مخصصة للنقل.
أما آدم ومريم وليان ونور فكانوا داخل سيارة الدكتور يحيى.
طوال الطريق لم يتحدث أحد.
كان كل واحد منهم يحاول استيعاب ما حدث.
بعد ساعات…
وصلوا إلى مبنى رسمي محاط بإجراءات أمنية مشددة.
قال الدكتور يحيى:
“وصلنا.”
نظر آدم من النافذة.
لم يكن المكان يشبه أي مكان سري دخلوه من قبل.
لم تكن هناك ممرات غامضة.
ولا أبواب مخفية.
ولا رموز على الجدران.
كان مكانًا رسميًا حقيقيًا، يعمل فيه متخصصون في الآثار المصرية.
قالت مريم:
“أخيرًا…”
ثم نزلت.
استقبلهم عدد من المختصين.
تقدم رجل كبير في السن، يحمل بطاقة تعريف رسمية.
قال:
“أنا الدكتور سامح عبد الرازق، من فريق الآثار المصرية.”
ثم نظر إلى الدكتور يحيى.
“هل هي القطعة التي أخبرتني عنها؟”
أجاب:
“نعم.”
نظر الدكتور سامح إلى التابوت.
لم يقترب منه مباشرة.
قال:
“من هذه اللحظة، لن يلمسها أحد إلا الفريق المختص.”
أومأ آدم.
“ده اللي إحنا عايزينه.”
قال الدكتور سامح:
“وأنا أقدر أؤكد لكم أن القطعة ستدخل إجراءات الحفظ والفحص العلمي الرسمية.”
ثم نظر إليهم.
“لكن أريد أن أعرف كيف وصلت إليكم.”
نظر آدم إلى مريم.
قالت:
“القصة طويلة.”
ابتسم الرجل.
“لدينا وقت.”
دخلوا غرفة اجتماعات صغيرة.
بدأ آدم ومريم وليان ونور في سرد الأحداث.
لم يخبروا بكل الأسرار دفعة واحدة.
لكنهم قدموا ما يستطيعون إثباته.
الوثائق.
الخرائط.
الصور.
الرموز.
وتسجيلات الذاكرة.
عندما انتهوا…
ظل الدكتور سامح صامتًا.
ثم قال:
“هناك شيء مهم جدًا.”
قال آدم:
“إيه؟”
قال:
“أنتم لم تعثروا على مجرد مومياء.”
ثم نظر إلى الملفات.
“إذا كانت البيانات التي قدمتموها صحيحة، فنحن أمام اكتشاف يمكن أن يعيد فتح ملفات كاملة في تاريخ الدراسات المصرية القديمة.”
قالت مريم:
“وده بالضبط اللي المنظمة عايزة توصله.”
أومأ.
“نعرف أن هناك محاولات مستمرة للسرقة والاتجار غير المشروع بالآثار.”
ثم قال:
“لكن ما تصفونه أخطر.”
سألته ليان:
“إزاي؟”
أجاب:
“لأن الهدف ليس بيع أثر.”
“الهدف هو امتلاك المعرفة المرتبطة به.”
ساد الصمت.
قال الدكتور سامح:
“ولهذا لن نعلن عن المومياء.”
نظر آدم إليه.
“مش هتعلنوا؟”
“ليس قبل أن تنتهي إجراءات التأمين والفحص.”
ثم قال:
“وأي شخص يطلب معلومات عنها خارج القنوات الرسمية سيتم التعامل معه وفق الإجراءات الأمنية.”
تنفست مريم براحة.
لأول مرة منذ بداية الرحلة…
شعرت أن المومياء أصبحت في أيدٍ تستطيع حمايتها.
لكن الراحة لم تستمر طويلًا.
دخل أحد الموظفين مسرعًا.
اقترب من الدكتور سامح.
همس في أذنه.
تغير وجهه.
قال:
“أعد الكلام.”
قال الموظف:
“في محاولة دخول غير مصرح بها إلى قسم الأرشيف.”
سأل الدكتور يحيى:
“هل عرفوا؟”
أجاب الموظف:
“لا نعرف.”
نظر آدم إلى مريم.
قالت:
“المنظمة.”
لكن الدكتور سامح هز رأسه.
“لا نستطيع أن نفترض ذلك.”
ثم قال:
“هناك شيء آخر.”
أخرج ملفًا قديمًا من خزانة.
وضعه أمامهم.
كان الغلاف يحمل اسمًا واحدًا:
عاصم.
تجمدت نور.
قالت:
“ده ملف أبي.”
أجاب الدكتور سامح:
“هذا الملف موجود في الأرشيف منذ سنوات.”
ثم نظر إليها.
“لكن هناك صفحة اختفت منه.”
سأل آدم:
“صفحة إيه؟”
قال:
“الصفحة التي تحتوي على اسم الشخص الذي كان يعمل مع عاصم وسليم.”
تغير وجه نور.
قالت:
“الرجل الثالث.”
أومأ الدكتور سامح.
“نعم.”
ثم فتح صفحة أخرى.
وجدوا صورة قديمة.
كان فيها ثلاثة رجال.
عاصم.
سليم.
والرجل الثالث.
حدقت نور في الصورة.
بدأت أنفاسها تتسارع.
قالت:
“هو.”
اقترب آدم.
“هو مين؟”
رفعت إصبعها نحو الصورة.
“ده الرجل اللي شفته في ذاكرتي.”
ثم قالت:
“أبي كان فاكر إنه مات.”
مريم اقتربت.
نظرت إلى الصورة.
ثم تغير وجهها.
قال آدم:
“إنتِ تعرفيه؟”
لم تجب.
كانت تحاول تذكر شيء.
ثم قالت:
“أنا شفت الرجل ده قبل كده.”
سألها آدم:
“فين؟”
قالت:
“بعد موت عاصم.”
ثم صمتت.
“وقبل ما أتجوز سليم.”
سأل آدم:
“كان فين؟”
قالت مريم:
“في مكان واحد فقط.”
“فين؟”
نظرت إلى نور.
ثم قالت:
“كان واقفًا أمام بيت أمينة.”
تجمد الجميع.
قال الدكتور سامح:
“إذن أمينة لم تكن مجرد حارسة للمومياء.”
قالت نور:
“كانت تعرفه.”
ثم نظرت إلى الصورة.
“وأبي كان يعرف أنه حي.”
قال آدم:
“يبقى ليه قال إنه مات؟”
لم يجب أحد.
لكن الدكتور سامح قلب الصورة.
كان خلفها تاريخ قديم.
وتحت التاريخ جملة بخط يد عاصم:
“إذا عاد هو، فمعنى ذلك أن المنظمة عرفت أن المومياء لم تكن وحدها.”
قالت ليان:
“لم تكن وحدها؟”
قلب الدكتور سامح الصفحة.
لكنها كانت فارغة.
قال:
“واضح أن هناك جزءًا مفقودًا من الملف.”
قال آدم:
“وإحنا لازم نلاقيه.”
أجابه الدكتور سامح:
“ليس أنتم وحدكم.”
ثم قال:
“من الآن، سيعمل فريق متخصص على استكمال الملف.”
نظر إلى المومياء من خلف الزجاج.
“وأنتم دوركم لم ينتهِ.”
سأل آدم:
“إيه دورنا؟”
قال:
“أنتم تحملون أجزاء من الذاكرة.”
ثم نظر إلى نور.
“والآن أصبح لدينا دليل مادي يمكن مقارنته بما تتذكرونه.”
قالت نور:
“يعني هنقدر نعرف الحقيقة كاملة؟”
أجاب:
“إذا كانت الذاكرة التي تحملونها مرتبطة بالمومياء بالفعل…”
ثم توقف.
“فقد نتمكن من إعادة بناء جزء كبير من القصة.”
لكن قبل أن يكمل…
رن هاتف داخل الغرفة.
رد الدكتور سامح.
استمع لثوانٍ.
ثم قال:
“ماذا؟”
تغير وجهه.
أغلق الهاتف.
قال الدكتور يحيى:
“في إيه؟”
أجاب:
“الملف الأصلي لعاصم…”
ثم نظر إليهم.
“اختفى.”
ساد الصمت.
قال آدم:
“إزاي؟”
أجاب الدكتور سامح:
“كان موجودًا منذ دقائق.”
ثم نظر إلى صورة الرجل الثالث.
“والصورة الوحيدة التي يظهر فيها هذا الرجل…”
توقف.
“اختفت أيضًا.”
قالت نور:
“المنظمة دخلت هنا.”
قال الدكتور سامح:
“ربما.”
لكن آدم لم يكن ينظر إليه.
كان ينظر إلى نور.
لأنها كانت تحدق في الباب.
قال:
“نور؟”
لم تجبه.
اقترب منها.
“إنتِ شفتي حاجة؟”
قالت بصوت مرتجف:
“نعم.”
“إيه؟”
رفعت عينيها.
“الذاكرة اشتغلت.”
ثم قالت:
“الرجل الثالث لم يختفِ من الأرشيف…”
وتوقفت.
“هو الذي أخذ الملف.”
نظر آدم إليها.
“عرفتيه؟”
أومأت.
ثم قالت اسمًا لم يسمعه أحد منهم من قبل:
“اسمه… حورس.”
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار المبنى بالكامل.
انتظر الجزء القادم
![]()
