ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260928 WA0002

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

— بدأوا يتذكرون.

 

خرجت الكلمات من فم الرجل المجهول ببطء، وكأنه لم يكن يتحدث إلى أحد.

 

كان واقفًا في الظلام.

 

الشاشة أمامه انطفأت، لكن العبارة الأخيرة بقيت عالقة في ذهنه:

 

نحن نتذكركم.

 

لم يكن يعرف من أرسلها.

 

أو ربما…

 

كان يعرف أكثر مما يسمح لنفسه بالاعتراف به.

 

اقترب من النافذة.

 

عاد الضوء إلى المنزل تدريجيًا، وعادت أوريال إلى شكلها المعتاد.

 

الأبراج الزرقاء.

 

الممرات المضيئة.

 

المركبات التي تتحرك دون أصوات.

 

الحدائق المعلقة بين مستويات المدينة.

 

والسحب التي تمتد بلا نهاية تحتها.

 

كل شيء كان هادئًا.

 

كل شيء كان طبيعيًا.

 

لكن الرجل لم يعد يرى أوريال كما كان يراها قبل دقائق.

 

قال الرجل:

 

— كل هذه السنوات…

 

ثم سكت.

 

وأضاف:

 

— وكنا نظن أن النسيان حمانا.

 

جلس على المقعد.

 

أغمض عينيه.

 

وفجأة…

 

مر داخل رأسه مشهد خاطف.

 

مكان أزرق.

 

ثم ممر طويل.

 

ثم باب معدني أسود.

 

ثم أصوات كثيرة تتحدث في الوقت نفسه.

 

ثم يد صغيرة تمسك يده.

 

ثم صوت امرأة يقول:

 

— لا تنظر خلفك.

 

فتح الرجل عينيه بسرعة.

 

كان يتنفس بعنف.

 

قال الرجل:

 

— كفى.

 

ثم ضرب بيده على الطاولة.

 

قال الرجل:

 

— قلت كفى!

 

عاد كل شيء إلى الهدوء.

 

لكن صورة اليد الصغيرة بقيت في ذاكرته.

 

لم يعرف لمن كانت.

 

وهنا كان الرعب الحقيقي.

 

لأنه لم يكن يخاف مما يتذكره…

 

بل مما لا يستطيع تذكره.

 

—

 

في مركز الطاقة، كانت ليارا وريان يحدقان في الشاشة.

 

نحن نتذكركم.

 

قال ريان:

 

— من أرسلها؟

 

قالت ليارا:

 

— لا أعرف.

 

قال ريان:

 

— هل يمكن أن يكون أحد من داخل المركز؟

 

قالت ليارا:

 

— لو كان شخصًا من الداخل، لظهر في سجل الدخول.

 

قال ريان:

 

— إذن من الخارج؟

 

هزت ليارا رأسها.

 

قالت ليارا:

 

— لا توجد إشارة خارجية.

 

قال ريان:

 

— كيف يمكن إرسال رسالة إلى نظام مغلق دون مصدر؟

 

قالت ليارا:

 

— لا يمكن.

 

صمت ريان.

 

ثم قال:

 

— لكنها وصلت.

 

نظرت ليارا إليه.

 

قالت ليارا:

 

— نعم.

 

عاد ريان إلى التسجيل.

 

قال ريان:

 

— سأفحص النبضات مرة أخرى.

 

قالت ليارا:

 

— لا.

 

توقف.

 

قال ريان:

 

— لماذا؟

 

قالت ليارا:

 

— لأنني أعتقد أن الرسالة لم تكن موجهة إلينا.

 

نظر إليها.

 

قال ريان:

 

— ماذا تقصدين؟

 

قالت ليارا:

 

— أعتقد أننا نحن من كنا نراقبها.

 

قال ريان:

 

— وماذا كانت تنتظر؟

 

لم تجبه.

 

اقتربت ليارا من الشاشة.

 

ثم قالت:

 

— أن نلاحظها.

 

—

 

في الوقت نفسه، كان إيلان قد وصل إلى منزله.

 

فتح الباب.

 

فتحت له الإضاءة تلقائيًا.

 

قال النظام المنزلي:

 

— مرحبًا يا إيلان.

 

قال إيلان:

 

— مساء الخير.

 

قال النظام:

 

— تم رصد ارتفاع بسيط في معدل نبضك.

 

ابتسم إيلان.

 

قال إيلان:

 

— وأنتِ تراقبينني الآن؟

 

قال النظام:

 

— مهمتي الحفاظ على سلامتك.

 

قال إيلان:

 

— وأنا بخير.

 

توقف قليلًا.

 

ثم سأل:

 

— هل حدث أي اضطراب في المدينة اليوم؟

 

قال النظام:

 

— لم يتم تسجيل أي اضطراب.

 

قال إيلان:

 

— متأكدة؟

 

قال النظام:

 

— نعم.

 

ذهب إيلان إلى النافذة.

 

كان يستطيع رؤية جزء كبير من أوريال.

 

قال إيلان:

 

— غريب.

 

قال النظام:

 

— ما الغريب؟

 

قال إيلان:

 

— لا شيء.

 

جلس.

 

ثم تذكر حديث نيراف.

 

كل شيء هنا يبدو وكأنه يعرف مكانه.

 

ثم تذكر سؤال سيرا.

 

هل الأرشيف يخبركم بكل شيء؟

 

ثم تذكر توقف البرج.

 

وتوقف الساعات.

 

والشيء الذي لم يستطع تفسيره.

 

قال إيلان:

 

— أوريال…

 

سكت.

 

ثم قال:

 

— هل يمكن أن تخطئي؟

 

جاءه الرد فورًا:

 

— لا يوجد نظام كامل دون احتمالية الخطأ.

 

رفع إيلان رأسه.

 

قال إيلان:

 

— ماذا قلتِ؟

 

تأخر الرد.

 

ثم قالت:

 

— أعتذر. أُعيد صياغة الإجابة.

 

تغير صوت النظام قليلًا.

 

— أوريال مصممة لتقليل الخطأ إلى الحد الأدنى.

 

ظل إيلان صامتًا.

 

قال إيلان:

 

— لماذا غيرتِ إجابتك؟

 

لم يأتِ رد.

 

قال إيلان:

 

— أجيبي.

 

ظل المنزل صامتًا.

 

ثم ظهر على الجدار ضوء أزرق صغير.

 

تحول إلى دائرة.

 

ثم اختفى.

 

عاد النظام للعمل.

 

قال النظام:

 

— هل تريد إعداد وجبتك المسائية؟

 

نظر إيلان إلى الجدار.

 

وقال:

 

— لا.

 

لكنه لم يكن يفكر في الطعام.

 

كان يفكر في شيء واحد:

 

لماذا تردد النظام؟

 

—

 

في منزل سيرا، كانت الأمور أكثر غرابة.

 

جلست أمام جهازها الشخصي، وفتحت محادثة نيراف.

 

كتبت:

 

أنت قلت إنك وجدت شيئًا.

 

ظهرت علامة الكتابة.

 

ثم اختفت.

 

ثم عادت.

 

وأخيرًا وصل الرد:

 

لم أقل ذلك.

 

قطبت سيرا حاجبيها.

 

كتبت:

 

بل قلت.

 

جاء الرد:

 

هل لديك الرسالة؟

 

نظرت سيرا إلى الشاشة.

 

كانت المحادثة موجودة.

 

لكن عندما فتحتها…

 

لم تجد شيئًا.

 

اختفت الرسالة السابقة بالكامل.

 

قالت سيرا:

 

— لا…

 

بحثت في السجل.

 

لا شيء.

 

فتحت النسخ الاحتياطية.

 

لا شيء.

 

بحثت في الذاكرة المحلية.

 

لا شيء.

 

كأن المحادثة لم تحدث أصلًا.

 

لكنها كانت تتذكرها.

 

وهذا ما أخافها.

 

لأنها بدأت تفهم أن المشكلة لم تعد في الأرشيف وحده.

 

هناك أشياء تحدث داخل أوريال ثم تختفي من السجلات.

 

وقبل أن تغلق الجهاز…

 

ظهر إشعار جديد.

 

طلب اتصال من: غير معروف.

 

حدقت سيرا فيه.

 

ثم ضغطت قبول.

 

لم يظهر وجه.

 

ولا صورة.

 

فقط صوت مشوش.

 

قال الصوت:

 

— هل تتذكرين الباب؟

 

تجمدت سيرا.

 

قالت سيرا:

 

— من أنت؟

 

لم يجب الصوت.

 

قالت سيرا:

 

— ماذا تريد؟

 

جاء الصوت:

 

— لا تفتحيه.

 

قالت سيرا:

 

— أي باب؟

 

صمت.

 

ثم قال الصوت:

 

— الباب الذي ستجدينه قبل أن تجدك أوريال.

 

انقطع الاتصال.

 

بقيت سيرا تنظر إلى الشاشة.

 

ثم قالت:

 

— ماذا يعني هذا؟

 

—

 

في مكان آخر، كان نيراف يقف فوق أحد الجسور الزجاجية.

 

لم يكن وحده.

 

كان كايان يقف بجواره.

 

قال كايان:

 

— أنت اليوم غريب أكثر من المعتاد.

 

قال نيراف:

 

— أنا دائمًا غريب.

 

قال كايان:

 

— صحيح.

 

ابتسم نيراف.

 

ثم قال:

 

— كايان…

 

قال كايان:

 

— ماذا؟

 

قال نيراف:

 

— هل سبق لك أن رأيت منطقة في أوريال لا تظهر على الخرائط؟

 

ضحك كايان.

 

قال كايان:

 

— مستحيل.

 

قال نيراف:

 

— لماذا؟

 

قال كايان:

 

— لأن كل شيء موجود على الخرائط.

 

قال نيراف:

 

— كل شيء؟

 

قال كايان:

 

— كل شيء.

 

صمت نيراف.

 

ثم أخرج من معصمه شاشة صغيرة.

 

قال نيراف:

 

— إذن انظر.

 

فتح صورة.

 

كانت خريطة لأوريال.

 

واضحة.

 

كاملة.

 

لكن في وسطها…

 

كانت هناك مساحة فارغة صغيرة.

 

قال كايان:

 

— هذا خلل في العرض.

 

قال نيراف:

 

— أنا قلت الشيء نفسه.

 

قال كايان:

 

— وماذا حدث عندما حاولت فتحها؟

 

نظر إليه نيراف.

 

وقال:

 

— الخريطة أغلقت نفسها.

 

ضحك كايان مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن ضحكته مطمئنة.

 

قال كايان:

 

— نيراف…

 

قال نيراف:

 

— نعم؟

 

قال كايان:

 

— أين حصلت على الخريطة؟

 

سكت نيراف.

 

قال كايان:

 

— نيراف؟

 

رفع نيراف عينيه.

 

قال نيراف:

 

— لا أتذكر.

 

نظر إليه كايان.

 

قال كايان:

 

— ماذا؟

 

قال نيراف:

 

— لا أتذكر من أين حصلت عليها.

 

ثم…

 

تغيرت الخريطة أمامهما.

 

ظهرت المساحة الفارغة من جديد.

 

لكن هذه المرة لم تكن فارغة.

 

ظهر داخلها رمز واحد.

 

رمز دائري.

 

وبمجرد ظهوره…

 

اهتز جهاز نيراف.

 

ثم انطفأ.

 

قال كايان:

 

— ماذا حدث؟

 

لم يجب نيراف.

 

كان ينظر إلى الرمز.

 

قال نيراف:

 

— هذا الرمز…

 

قال كايان:

 

— ماذا عنه؟

 

قال نيراف:

 

— رأيته من قبل.

 

قال كايان:

 

— أين؟

 

رفع نيراف رأسه.

 

كان وجهه شاحبًا.

 

قال نيراف:

 

— في حلم.

 

—

 

في مركز الطاقة…

 

ظهرت الإشارة مرة أخرى.

 

لكن هذه المرة لم تكن داخل قلب النور.

 

كانت في كل مكان.

 

في المنازل.

 

في المركبات.

 

في أنظمة التعليم.

 

في شبكات الاتصالات.

 

وفي الأجهزة الشخصية.

 

ظهرت لمدة أقل من ثانية.

 

ثم اختفت.

 

لم يلاحظها معظم السكان.

 

لكن ليارا لاحظتها.

 

وسيرا لاحظتها.

 

ونيراف لاحظها.

 

وإيلان…

 

كان الوحيد الذي لم يرها.

 

لأن شاشته أظهرت شيئًا مختلفًا.

 

ظهرت أمامه عبارة واحدة:

 

إيلان… لا تثق بذاكرتك.

 

تجمد في مكانه.

 

قرأ الاسم مرة أخرى.

 

إيلان.

 

ثم اختفت العبارة.

 

قال إيلان:

 

— من أنت؟

 

لم يأتِ جواب.

 

ثم ظهرت كلمة واحدة فقط:

 

استعد.

 

رفع إيلان رأسه.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

أطلقت أوريال لأول مرة منذ قرون طويلة صوتًا لم يسمعه سكانها من قبل.

 

لم يكن إنذارًا.

 

ولم يكن إعلانًا.

 

ولم يكن صوت نظام.

 

كان…

 

نبضة هائلة خرجت من قلب المدينة.

 

اهتزت المباني.

 

توقفت المركبات في الهواء لثانية.

 

تجمدت الشاشات.

 

وانطفأت آلاف الأضواء الزرقاء.

 

ثم عادت كلها دفعة واحدة.

 

لكن بعد عودتها…

 

لم تعد أوريال كما كانت.

 

لأن نظام المدينة المركزي أعلن جملة واحدة لجميع السكان:

 

تم اكتشاف خلل في الذاكرة العامة.

 

سكت الناس.

 

ثم أضاف النظام:

 

يرجى عدم محاولة التذكر.

 

وفي اللحظة التي سمع فيها إيلان هذه الجملة…

 

شعر بألم حاد في رأسه.

 

ثم رأى شيئًا لم يره في حياته.

 

رأى نفسه…

 

واقفًا في مكان لا يعرفه.

 

أمامه باب ضخم.

 

وخلف الباب…

 

صوت فتاة تبكي.

 

ثم سمع صوته هو يقول:

 

— افتحي الباب.

 

ورد صوت الفتاة:

 

— إذا فتحته… لن تعود أوريال كما كانت.

 

فتح إيلان عينيه.

 

كان داخل منزله.

 

وحيدًا.

 

لكنه كان يعرف الآن شيئًا واحدًا فقط:

 

هذا لم يكن حلمًا.

 

لأنه عندما نظر إلى يده…

 

وجد عليها علامة صغيرة لم تكن موجودة من قبل.

 

علامة دائرية.

 

نفس العلامة التي ظهرت على خريطة نيراف.

 

وفوق العلامة مباشرة…

 

بدأ ضوء أحمر خافت جدًا في الظهور.

 

ثم اختفى.

 

وكأن شيئًا ما…

 

كان يراقبه من مكان لا تعرف أوريال بوجوده.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *