الكاتب أحمد عبد الواحد فؤاد
في قلب الريف الهادئ في ريف الشام ، حيث تتشابك حقول القمح الذهبية مع جداول المياه المتلألئة، كان هناك رجل يُدعى صابر. لم يكن صابر مجرد رجل عادي، بل كان نائبًا في مجلس النواب، يمثل أهل قريته البسيطة. لكن ما كان يميز صابر حقًا، أو ما كان يحاول أن يميزه، هو لقبه المفضل: “صاحب الفضيلة”.
كان صابر يرتدي دائمًا ثوبًا أبيض ناصعًا، ويضع على رأسه عمامة أنيقة، ويطلق لحيته التي كانت تبدو وكأنها نُسجت من خيوط التقوى. في كل خطبة يلقيها، وفي كل اجتماع يحضره، كان يتحدث عن الأخلاق الحميدة، والصدق، والأمانة، والزهد في الدنيا. كانت كلماته تتدفق كالشلال، تلامس قلوب البسطاء وتوحي لهم بأنه الرجل الذي سيقودهم إلى بر الأمان.
“يا أهل قريتي الكرام،” كان يقول بصوته الجهوري الذي يملأ ساحة القرية، “علينا أن نتمسك بالفضيلة، فهي سبيلنا الوحيد للخلاص. إنني، خادمكم صابر، أسعى جاهدًا لأكون مثالًا لكم في التقوى والورع.”
كان يصر على أن يناديه الجميع بـ “صاحب الفضيلة”، حتى في أبسط المعاملات. إذا جاءه فلاح يشكو من قلة الماء، كان صابر يجيبه: “اطمئن يا بني، صاحب الفضيلة سيتكفل بالأمر.” وإذا جاءته امرأة تطلب المساعدة في بناء منزلها، كان يقول: “لا تقلقي يا ابنتي، صاحب الفضيلة لن يترككِ.”
كان أهل القرية، بطيبتهم وسذاجتهم، يصدقون كل كلمة يقولها. كانوا يرون فيه القائد الملهم، الرجل الذي لا يخطئ، والذي لا يعرف سوى طريق الحق. لكن خلف هذا القناع اللامع من الفضيلة، كان صابر يخفي وجهًا آخر تمامًا.
كان صابر يحب المال حبًا جمًا. كان يستغل منصبه لتحقيق مكاسب شخصية، يختلس من أموال المشاريع المخصصة للقرية، ويقبل الرشاوى من التجار الكبار، ويستولي على الأراضي الزراعية بحجج واهية. كل هذا كان يتم في الخفاء، بعيدًا عن أعين أهل القرية الذين كانوا يثقون به ثقة عمياء.
في أحد الأيام، جاءت إلى القرية لجنة تفتيش مفاجئة من العاصمة، للتحقيق في بعض الشكاوى المتعلقة بفساد مالي في المشاريع الحكومية. كان صابر في قمة ارتباكه، فقد كان يعلم أن أفعاله ستنكشف لا محالة.
بدأت اللجنة في مراجعة السجلات والوثائق، واستمعت إلى شهادات بعض الموظفين الذين كانوا يعملون تحت إشراف صابر. كانت الأدلة تتراكم ضده يومًا بعد يوم. وفي النهاية، اكتشفت اللجنة حجم الفساد الذي تورط فيه “صاحب الفضيلة”.
في اليوم الذي أعلنت فيه اللجنة نتائج تحقيقها، تجمع أهل القرية في الساحة، ينتظرون بفارغ الصبر سماع ما ستقوله اللجنة عن نائبهم “الورع”. عندما بدأت اللجنة في سرد تفاصيل الاختلاسات والرشاوى التي قام بها صابر، ساد الصمت المكان. لم يصدق أحد ما يسمعه.
عندما ذكر رئيس اللجنة اسم “صابر” وعدد الجرائم التي ارتكبها، تهاوت الأقنعة. نظر أهل القرية إلى صابر، الذي كان يقف في الخلف، وجهه شاحب، وعمامته مائلة، وثوبه الأبيض لم يعد ناصعًا كما كان.
في تلك اللحظة، أدرك الجميع أن “فضيلة النائب” لم تكن سوى ستار زائف، قناعًا يخفي وراءه جشعًا وفسادًا. لم يعد أحد يناديه بـ “صاحب الفضيلة”. لقد سقط القناع، وانكشف الكذب، وبقيت الحقيقة وحدها تتحدث عن رجل ادعى التقوى، بينما كان ينهب حقوق البسطاء. ومنذ ذلك اليوم، أصبح اسم صابر مرادفًا للخداع، وكلمة “فضيلة” اكتسبت معنى جديدًا في أذهان أهل القرية، معنى يحمل في طياته مرارة الخيبة.
![]()
