الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
المرحلة الأولى من الذاكرة… مفتوحة.
ظلّت الجملة معلقة أمامهم.
لم يتحدث أحد.
حتى كايان، الذي كان يجد دائمًا شيئًا يسخر منه، لم يجد هذه المرة ما يقوله.
كانت الخريطة البنفسجية تتحرك ببطء أمامهم، وكأنها لا تعرض أوريال…
بل تكشف شيئًا مخفيًا داخلها.
طبقة فوق طبقة.
شبكة فوق شبكة.
طرق لم تكن موجودة على الخرائط العامة.
وممرات لا تظهر إلا للحظات، ثم تختفي.
قالت نورا:
— هل هذه فعلًا أوريال؟
أجابتها سيرا:
— نعم.
قالت نورا:
— أنا أعيش هنا منذ ولدت، ولم أرَ أيًا من هذه الأماكن.
قال كايان:
— وأنا أعمل مع أنظمة الطاقة، ولم أرَ نصفها.
نظر نيراف إلى الخريطة.
قال نيراف:
— لأنها لم تكن تريد أن نراها.
التفت إليه إيلان.
قال إيلان:
— من تقصد بـ”هي”؟
لم يجب نيراف.
كانت عيناه مثبتتين على النقطة السوداء.
قال نيراف:
— لا أعرف.
قال إيلان:
— أنت تعرف أكثر مما تقول.
رفع نيراف عينيه إليه.
قال نيراف:
— المشكلة أنني لا أعرف إن كان ما أتذكره حقيقيًا.
تدخلت سيرا:
— هذا هو السؤال الذي يجب أن نبدأ منه.
قال كايان:
— كيف؟
قالت سيرا:
— نبحث في الأشياء التي نتذكرها جميعًا.
قالت نورا:
— مثل ماذا؟
قالت سيرا:
— الإشارة.
ثم:
— الملف القديم.
ثم:
— توقف الساعات.
ثم نظرت إلى إيلان.
— العلامة.
ثم نظرت إلى نيراف.
— الرمز.
وأخيرًا قالت:
— والباب.
ساد الصمت.
قال كايان:
— إذن نبحث عن نقطة تجمع كل هذه الأشياء.
قال إيلان:
— والنقطة السوداء هي المكان.
قالت سيرا:
— ربما.
ثم ظهرت رسالة جديدة على الخريطة:
لا تستخدموا الطرق المعروفة.
قرأها كايان بصوت مرتفع.
قال كايان:
— ممتاز.
ثم نظر إليهم.
قال كايان:
— يعني بالتأكيد أننا سنستخدم الطرق المعروفة.
ابتسمت نورا.
لكن سيرا لم تضحك.
قالت سيرا:
— لا.
قال كايان:
— ماذا؟
قالت سيرا:
— سنفعل ما طلبته الرسالة.
قال كايان:
— وأنتِ تثقين برسالة مجهولة؟
قالت سيرا:
— لا.
ثم أضافت:
— لكنني لا أثق بالطرق المعروفة أيضًا.
—
في اللحظة نفسها، وصل اتصال إلى إيلان.
ظهر اسم المتصل:
ليارا.
فتح الاتصال.
ظهر وجهها على الشاشة.
قال إيلان:
— ليارا؟
قالت ليارا:
— هل ظهرت أمامكم خريطة؟
تبادل الأربعة النظرات.
قال إيلان:
— كيف عرفتِ؟
قالت ليارا:
— لأنني أراها أمامي أيضًا.
ظهرت الخريطة على شاشتها.
كانت مطابقة للخريطة الموجودة أمامهم.
قال كايان:
— إذن هذا ليس خللًا.
قالت ليارا:
— لا.
قال كايان:
— ماذا يكون إذن؟
قالت ليارا:
— لا أعرف.
ثم نظرت إلى إيلان.
قالت ليارا:
— لكنني وجدت شيئًا.
قال إيلان:
— ماذا؟
قالت ليارا:
— السجلات القديمة.
قالت سيرا:
— وجدناها أيضًا.
تغير وجه ليارا.
قالت ليارا:
— ماذا قلتي؟
قالت سيرا:
— وجدنا سجلًا يحمل اسم “البداية”.
صمتت ليارا.
قالت ليارا:
— إذن ظهر عندكم أيضًا.
قال إيلان:
— ماذا تعرفين عنه؟
قالت ليارا:
— لا شيء.
ثم أضافت:
— لكن النظام أخبرني أن فتحه يحتاج إلى مفتاح حي.
نظر الجميع إلى إيلان.
قال إيلان:
— وأنا المفتاح؟
قالت ليارا:
— نعم.
قال إيلان:
— لماذا؟
قالت ليارا:
— لا أعرف.
ثم توقفت لحظة.
وقالت:
— لكن هناك شيء آخر.
قال نيراف:
— ما هو؟
نظرت ليارا إليه عبر الشاشة.
قالت ليارا:
— النظام لم يذكر اسمك.
سكت نيراف.
قالت ليارا:
— لكنه ذكر شيئًا آخر.
قال نيراف:
— ماذا؟
قالت ليارا:
— قال إن وجودك مرتبط بالمرحلة الثانية.
لم يتحرك نيراف.
تغيرت ملامحه.
قال كايان:
— المرحلة الثانية من ماذا؟
لكن ليارا لم تجب.
لأن الشاشة خلفها أضاءت فجأة.
ظهر تحذير أحمر.
قالت ليارا:
— لحظة.
استدارت.
ظهرت جملة:
تم رصد محاولة وصول غير مصرح بها.
قالت ليارا:
— هناك شخص يحاول الدخول إلى النظام.
قال إيلان:
— من؟
قالت ليارا:
— لا أعرف.
قال نيراف:
— هل يمكن تتبع الإشارة؟
قالت ليارا:
— أحاول.
بدأت البيانات تتحرك بسرعة.
ثم توقفت.
ظهرت نقطة على الخريطة.
لم تكن في مكان بعيد.
كانت داخل أوريال.
قالت ليارا:
— وجدته.
قال إيلان:
— أين؟
نظرت إلى النقطة.
ثم قالت:
— قريب منكم.
التفت الجميع حولهم.
كان المقهى مزدحمًا.
السكان يتحركون.
المركبات تمر خلف الواجهات.
كل شيء طبيعي.
قال كايان:
— قريب يعني كم؟
قالت ليارا:
— أقل من مئتي متر.
قال نيراف:
— هل تستطيعين تحديد الشخص؟
قالت ليارا:
— لا.
ثم انخفض صوتها.
— لكنني أستطيع تحديد الجهاز.
ظهر رمز صغير على الخريطة.
ثم بدأت النقطة تتحرك.
قالت نورا:
— إنه يتحرك.
قالت ليارا:
— نعم.
نظر الجميع إلى الشوارع.
قال إيلان:
— إلى أين يتجه؟
قالت ليارا:
— نحوكم.
—
وقف نيراف فجأة.
قال نيراف:
— لا ننتظر.
قال كايان:
— ماذا سنفعل؟
قال نيراف:
— نخرج.
قالت سيرا:
— لماذا؟
قال نيراف:
— لأن الشخص الذي يقترب منا يريد أن يجدنا هنا.
قال إيلان:
— وربما يريد منا أن نراه.
نظر نيراف إليه.
قال نيراف:
— لهذا السبب بالضبط يجب أن نتحرك.
خرج الخمسة من المقهى.
كانت أوريال مختلفة بعد التحول البنفسجي.
كل شيء أصبح أسرع.
المركبات تتحرك بلا مسارات ثابتة.
الأبواب تفتح قبل أن يقترب منها الناس.
والشوارع نفسها تعيد تشكيل اتجاهاتها وفقًا لحركة السكان.
قال كايان:
— إلى أين نذهب؟
قالت سيرا:
— إلى المكان الذي لا تظهره الخريطة.
قال كايان:
— هذه جملة لا تطمئن إطلاقًا.
قال إيلان:
— لكن يبدو أنها الوحيدة التي نملكها.
تحركوا.
—
في مركز الطاقة، كانت ليارا تتابع النقطة.
قال ريان:
— إنها تقترب منهم.
قالت ليارا:
— أعرف.
قال ريان:
— هل نرسل حماية؟
قالت ليارا:
— لا.
قال ريان:
— لماذا؟
قالت ليارا:
— لأن النظام لا يعتبرها تهديدًا.
قال ريان:
— إذن ماذا يعتبرها؟
ترددت ليارا.
ثم قالت:
— جزءًا من النظام.
نظر إليها ريان.
قال ريان:
— شخص؟
قالت ليارا:
— لا أعرف.
ظهرت نقطة ثانية على الخريطة.
ثم ثالثة.
ثم رابعة.
تجمد ريان.
قال ريان:
— ليارا…
قالت ليارا:
— أراها.
قال ريان:
— هناك أكثر من إشارة.
قالت ليارا:
— كم؟
بدأ النظام في العد.
واحد.
اثنان.
ثلاثة.
أربعة.
ثم توقف.
ظهرت العبارة:
الإشارات غير محدودة.
قال ريان:
— غير محدودة؟
قالت ليارا:
— هذا مستحيل.
ثم ظهرت رسالة:
هذه ليست إشارات.
قال ريان:
— إذن ماذا تكون؟
ظهرت الجملة التالية:
هذه نقاط ذاكرة.
—
كان إيلان وأصدقاؤه قد وصلوا إلى أحد الأحياء القديمة في أوريال.
لم يكن الحي مهجورًا.
بل كان طبيعيًا تمامًا.
منازل.
ممرات.
حدائق.
سكان.
لكن عندما مروا بين مبنيين…
تغير الضوء.
اختفى البنفسجي.
وعاد الأزرق.
توقف إيلان.
قال إيلان:
— هل رأيتم ذلك؟
قال كايان:
— نعم.
نظروا خلفهم.
كان الممر البنفسجي.
وأمامهم…
أزرق.
قالت سيرا:
— هذا المكان غير متصل بالشبكة الجديدة.
قال نيراف:
— أو أنه متصل بشبكة أخرى.
تقدم إيلان.
كلما تحركوا إلى الأمام، بدأ الأزرق يزداد قوة.
حتى وصلوا إلى جدار ضخم.
لم يكن هناك باب.
ولا نافذة.
ولا أي مدخل.
قال كايان:
— انتهى الطريق.
قالت سيرا:
— لا.
قالت سيرا:
— الخريطة تقول إننا هنا.
قال إيلان:
— لكن لا يوجد شيء.
اقترب نيراف من الجدار.
وضع يده عليه.
في اللحظة نفسها…
أضاء الرمز الدائري.
تراجع نيراف.
قال نيراف:
— لا…
قال إيلان:
— ماذا؟
قال نيراف:
— أنا أعرف هذا المكان.
قال كايان:
— كيف؟
قال نيراف:
— لا أعرف.
ثم بدأ الجدار يهتز.
ظهر خط عمودي.
ثم خط آخر.
وانفتح الجدار ببطء.
لم يكن خلفه ممر.
بل غرفة ضخمة.
قديمة.
مظلمة.
وعلى جدرانها…
كانت هناك عشرات الرموز الدائرية.
قالت نورا:
— ما هذا المكان؟
دخل إيلان خطوة.
ثم خطوة أخرى.
ظهرت إضاءة خافتة.
وأضاءت الجدران واحدًا تلو الآخر.
لم تكن هناك أجهزة حديثة.
ولا شاشات.
ولا أنظمة بنفسجية.
كان المكان أقدم بكثير.
لكن المفاجأة لم تكن في قِدمه.
كانت في الشيء الموجود في منتصف الغرفة.
منصة دائرية.
وفوقها…
خمسة أماكن للوقوف.
قالت سيرا:
— خمسة؟
نظر الجميع إلى بعضهم.
خمسة أشخاص.
خمسة أماكن.
قال كايان:
— لا أحب هذا.
قال إيلان:
— لماذا؟
قال كايان:
— لأنني أشعر أن المكان كان ينتظرنا.
اقترب إيلان من المنصة.
ظهرت جملة:
تم التعرف على المجموعة.
ثم:
عدد المفاتيح: خمسة.
ثم ظهرت أسماءهم واحدًا تلو الآخر.
إيلان.
سيرا.
كايان.
نورا.
نيراف.
تراجع الجميع.
قالت نورا:
— كيف يعرف أسماءنا؟
لم يجب أحد.
ثم ظهرت جملة أخرى:
لا تخافوا.
صمتوا.
ثم ظهرت:
أنتم لم تأتوا إلى هنا للمرة الأولى.
اتسعت عينا إيلان.
قال إيلان:
— ماذا؟
ظهرت جملة جديدة:
أنتم عدتم فقط.
وفجأة…
انطفأت جميع الأضواء.
ثم اشتعلت المنصة.
ظهر تسجيل ضوئي في منتصف الغرفة.
صورة لخمسة أشخاص.
لكنهم لم يكونوا يقفون الآن.
كانوا أصغر سنًا.
والملابس مختلفة.
والغريب…
أن الوجوه كانت وجوههم.
وجه إيلان.
وجه سيرا.
وجه كايان.
وجه نورا.
وجه نيراف.
نظر الخمسة إلى التسجيل.
لم يستطع أي منهم الكلام.
ثم ظهر شخص سادس في التسجيل.
شخص يقف أمامهم.
لم يظهر وجهه.
فقط صوته.
قال الصوت:
— إذا كنتم ترون هذا التسجيل…
توقف لحظة.
ثم قال:
— فهذا يعني أن الذاكرة فشلت مرة أخرى.
تبادل الخمسة النظرات.
تابع الصوت:
— وإذا فشلت مرة أخرى…
ثم ظهرت على الجدار خريطة أوريال.
لكنها كانت مختلفة.
كانت أوريال محاطة بحقول طاقة متعددة.
ثم قال الصوت:
— فابحثوا عن السبب قبل أن تتذكروا الحقيقة.
انقطع التسجيل.
وعادت الإضاءة.
لكن المنصة لم تنطفئ.
ظهرت عليها كلمة واحدة:
المرحلة الثانية تبدأ الآن.
وفي اللحظة نفسها…
وصلت ليارا إلى الغرفة عبر الاتصال.
قالت ليارا:
— إيلان!
التفت إليها الجميع.
قال إيلان:
— نحن هنا.
قالت ليارا:
— اخرجوا فورًا.
قال نيراف:
— لماذا؟
صمتت ليارا.
ثم قالت:
— لأنني اكتشفت شيئًا في السجلات.
قالت سيرا:
— ماذا؟
قالت ليارا:
— التسجيل الذي شاهدتموه…
توقفت.
ثم قالت:
— عمره أكبر من عمر أوريال المسجل.
ساد الصمت.
قال كايان:
— كم عمره؟
لم تجب ليارا مباشرة.
ثم قالت:
— أقدم من أول تاريخ تعرفه أوريال.
وفجأة…
ظهر صوت آخر داخل الغرفة.
ليس صوت ليارا.
ولا صوت النظام.
ولا صوت التسجيل.
صوت هادئ جدًا.
قال:
— أخيرًا…
ثم:
— وجدتم الباب.
نظر الجميع إلى الباب المفتوح خلفهم.
لكنه لم يكن الباب الذي دخلوا منه.
كان هناك الآن…
باب آخر.
في نهاية الغرفة.
لم يكن أزرق.
ولم يكن بنفسجيًا.
كان مظلمًا بالكامل.
وعليه…
ظهرت علامة واحدة.
علامة لم يرها أحد منهم من قبل.
لكن إيلان…
شعر أن يده تعرفها.
وبمجرد أن رفع يده نحوها…
فتح الباب من تلقاء نفسه.
انتظر الجزء القادم
![]()
