الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
كان آخر سطر ما زال مضيئًا أمامهم:
تم إرسال الإحداثيات.
وتحته:
إلى الجهة الأخرى.
لم يفهم إيلان معنى الكلمات، لكن جسده فهم قبل عقله.
كانت العلامة الموجودة على يده تزداد حرارة.
رفع إيلان يده بعيدًا عن جسده.
قال إيلان:
— أوقفوا النظام.
لم يستجب أحد.
قال إيلان:
— أوقفوه الآن!
حاول كايان الوصول إلى لوحة التحكم، لكن بمجرد أن مد يده نحوها، تراجعت اللوحة إلى داخل الجدار.
قال كايان:
— النظام لا يسمح لي بالدخول.
قالت سيرا:
— جرب صلاحيات الطوارئ.
قال كايان:
— لا توجد صلاحيات طوارئ.
التفتت إليه نورا.
قالت نورا:
— كيف لا توجد؟
قال كايان:
— لأن النظام حذفها.
نظر إيلان إلى الأرض.
كانت الخطوط المضيئة التي تحيط بالمنصة تتغير.
خط بعد خط.
ثم بدأت ترسم دائرة هائلة تحت أقدامهم.
قال نيراف:
— ابتعدوا عن الدائرة.
قال إيلان:
— لماذا؟
أجاب نيراف:
— لأنني رأيتها من قبل.
التفت إليه الجميع.
قالت سيرا:
— أين؟
ظل نيراف صامتًا.
قال إيلان:
— نيراف، أين رأيتها؟
رفع نيراف عينيه.
قال نيراف:
— في الحلم.
وقبل أن يضيف شيئًا، انطفأت القاعة.
ثم سقطت المدينة كلها في صمت كامل.
لم تتوقف الإضاءة فقط.
توقفت الحركة.
توقفت وسائل النقل.
توقفت الممرات.
توقفت الأبراج.
حتى الهواء نفسه بدا وكأنه تجمد.
ثم ظهر فوقهم رقم واحد:
00:01
تغير إلى:
00:02
ثم:
00:03
قالت نورا:
— ما هذا؟
قال نيراف:
— عدّ تنازلي.
قال كايان:
— إلى ماذا؟
لم يجب.
لأن الرقم وصل إلى:
00:10
وفي اللحظة نفسها…
اختفت أرضية القاعة.
صرخت سيرا:
— إيلان!
لم يسقطوا.
بل ظلوا واقفين في مكانهم، وكأن أجسادهم أصبحت معلقة داخل فراغ لا نهاية له.
اختفت الجدران.
اختفت الأجهزة.
اختفت أوريال.
لم يعد هناك شيء حولهم سوى ظلام عميق.
ثم ظهر أمامهم مسار من الضوء.
مسار طويل للغاية.
يمتد في الفراغ.
وكان في نهايته…
شيء ضخم.
لم يستطيعوا تحديد حجمه.
قال كايان:
— هل هذا مبنى؟
قال نيراف:
— لا.
قالت نورا:
— إذن ماذا يكون؟
قال نيراف:
— مدينة.
تجمد الجميع.
قال إيلان:
— مدينة؟
أومأ نيراف.
قال نيراف:
— مدينة كاملة.
بدأ الشيء البعيد يقترب.
أو ربما كانوا هم الذين يتحركون نحوه.
لم يعرف أحد.
كل ما عرفوه أن المسافة بينهما بدأت تختفي.
ظهرت أول الأبراج.
ثم الجدران.
ثم الممرات.
ثم آلاف الأضواء.
لكن تلك المدينة لم تكن تشبه أوريال.
أوريال كانت تعتمد على الضوء الأزرق، ثم البنفسجي بعد تطورها.
أما هذه…
فكان يغلب عليها لون واحد.
الأحمر.
أحمر شديد.
أحمر ينبض داخل الأبراج.
أحمر يسري في الطرقات.
أحمر يخرج من أسفل المدينة كأنه دماء تسري داخل جسد عملاق.
قالت سيرا بصوت منخفض:
— إنها حقيقية.
قال إيلان:
— كيف يمكن أن تكون هناك مدينة أخرى؟
ظهر صوت النظام.
لكن هذه المرة لم يكن صوته آليًا بالكامل.
كان هادئًا…
وكأنه يتحدث بحذر.
قال النظام:
— لا توجد مدينة أخرى.
نظر إيلان إلى المدينة أمامه.
قال إيلان:
— إذن ماذا نرى؟
صمت النظام.
قال إيلان:
— أجب.
ظهرت رسالة:
البيانات غير متاحة.
قال كايان:
— النظام يكذب.
قالت نورا:
— لماذا؟
قال كايان:
— لأن النظام لم يقل إنه لا يعرف.
نظر الجميع إلى الرسالة.
كان كايان محقًا.
النظام لم يقل:
لا أعرف.
بل قال:
البيانات غير متاحة.
وهذا يعني أن هناك من يمنعه من الإجابة.
اقتربت المدينة أكثر.
وبدأت تفاصيلها تظهر.
كانت هناك مركبات تتحرك داخل مسارات ضوئية حمراء.
أبراج ضخمة تنقسم إلى أجزاء ثم تعيد تشكيل نفسها.
جسور تتحرك في الهواء.
بوابات تفتح وتغلق دون لمس.
ومبانٍ كاملة يبدو أنها لا تستند إلى أي قاعدة ثابتة.
لكن الشيء الأكثر رعبًا…
كان السكان.
كانوا موجودين.
آلاف.
بل ملايين.
وكانوا يتحركون داخل المدينة وكأنهم يعيشون فيها منذ آلاف السنين.
قالت سيرا:
— هل يروننا؟
لم يجب أحد.
ثم توقف أحد الأشخاص في الشارع.
رفع رأسه.
نظر مباشرة إلى مكانهم.
ثم رفع يده.
ظهرت على كفه…
نفس العلامة.
علامة إيلان.
تراجع إيلان خطوة.
قال إيلان:
— لا…
ثم توقف الشخص الآخر.
وتوقف خلفه شخص ثانٍ.
ثم ثالث.
ثم عشرات.
ثم مئات.
واحدًا تلو الآخر…
بدأ سكان المدينة الحمراء يرفعون أيديهم.
وكانت العلامة نفسها موجودة على أيديهم.
قال نيراف:
— هذا مستحيل.
قال كايان:
— يبدو أننا لسنا أول من وصل.
قالت نورا:
— ربما هم الذين وصلوا إلينا.
وفجأة ظهر صوت ليارا.
كان ضعيفًا جدًا.
قالت ليارا:
— لا تدخلوا.
صرخ إيلان:
— ليارا! أين أنتِ؟
قالت ليارا:
— لا تدخلوا المدينة.
قال إيلان:
— هل تعرفينها؟
صمتت.
ثم قالت:
— نعم.
قال إيلان:
— ما اسمها؟
تردد صوتها.
وكأنها تخشى مجرد نطق الاسم.
ثم قالت:
— نيرافا.
انقطعت الإشارة.
نظر نيراف إلى المدينة.
قال نيراف:
— نيرافا؟
لكن قبل أن يكمل…
ظهر أمامهم باب هائل.
كان معلقًا في الفراغ بين المدينتين.
نصفه بنفسجي.
ونصفه أحمر.
وفي منتصفه…
رمز واحد.
رمز يشبه العلامة الموجودة على يد إيلان.
ثم ظهر تحذير:
لا تسمحوا للمدينتين بالاتصال.
تحت التحذير ظهرت جملة أخرى:
لأن آخر اتصال بينهما… تسبب في اختفاء مدينة كاملة.
ساد الصمت.
قالت سيرا:
— أي مدينة؟
لم يجب النظام.
قال إيلان:
— أي مدينة اختفت؟
ظهر رد واحد:
أوريال.
تجمد الجميع.
قال كايان:
— لكن أوريال موجودة.
ثم ظهر سطر جديد.
هذه ليست أوريال الأصلية.
نظر إيلان إلى الآخرين.
وللمرة الأولى…
بدأ الشك يضرب الحقيقة التي عاشوا داخلها طوال حياتهم.
إذا كانت أوريال الحالية ليست أوريال الأصلية…
فمن هم؟
ومن أين جاءوا؟
ولماذا تم اختيارهم؟
ومن هو المفتاح السادس؟
وبينما كانت الأسئلة تتكاثر داخل رؤوسهم، حدث شيء لم يتوقعه أحد.
المدينة الحمراء أضاءت بالكامل.
كل أبراجها.
كل طرقها.
كل نوافذها.
كل بواباتها.
ثم ظهر فوقها اسم هائل من الضوء الأحمر:
نيرافا
وتحته مباشرة ظهرت رسالة موجهة إلى شخص واحد فقط:
إيلان…
ثم:
لقد عدت.
تجمد إيلان.
قالت سيرا:
— كيف يعرفون اسمك؟
لم يجب.
لأن رسالة ثانية ظهرت.
لكن هذه المرة…
ثم ظهرت الكلمات الأخيرة:
لا تأخذ الفتاة معك.
وفي اللحظة التي قرأ فيها إيلان الجملة…
ظهرت فتاة على أحد أبراج نيرافا.
كانت تقف وحدها.
تنظر مباشرة إليه.
وكانت على يدها…
نفس العلامة.
لكنها لم تكن بنفسجية.
ولم تكن حمراء.
كانت بلون لم يره إيلان من قبل.
لون جعل العلامة الموجودة على يده تبدأ بالنبض بقوة.
رفعت الفتاة يدها ببطء.
ثم قالت، رغم أن المسافة بينهما كانت مستحيلة:
— إيلان… لماذا عدت؟
انتظر الجزء القادم
![]()
