ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20260930 WA0002

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

— إيلان… لماذا عدت؟

 

ظل صوت الفتاة معلقًا في الفراغ.

 

لم يكن مرتفعًا.

 

ولم يكن غاضبًا.

 

بل كان يحمل شيئًا جعل إيلان يشعر بأن الكلمات لم تُوجَّه إلى شخص تراه للمرة الأولى…

 

بل إلى شخص كانت تنتظره.

 

ظل إيلان ينظر إليها.

 

كانت تقف فوق أعلى برج في نيرافا.

 

خلفها امتدت المدينة الحمراء بلا نهاية.

 

أبراجها تتحرك ببطء.

 

جسورها تعيد تشكيل نفسها.

 

وممراتها الضوئية تتقاطع في الهواء.

 

لكن عينيها لم تتحركا عن إيلان.

 

قالت سيرا:

 

— إيلان، هل تعرفها؟

 

لم يجب إيلان.

 

قالت نورا:

 

— إيلان؟

 

ظل صامتًا.

 

ثم قال:

 

— لا.

 

اقتربت الفتاة من حافة البرج.

 

قالت:

 

— لا تقل ذلك.

 

تجمد إيلان.

 

قال إيلان:

 

— ماذا؟

 

قالت الفتاة:

 

— لا تقل إنك لا تعرفني.

 

ثم وضعت يدها على صدرها.

 

وقالت:

 

— لأنك قلتها من قبل.

 

تبادل كايان ونيراف النظرات.

 

قال كايان:

 

— متى؟

 

نظرت الفتاة إليه.

 

قالت:

 

— قبل أن تُمحى ذاكرتكم.

 

تقدم إيلان خطوة.

 

قال إيلان:

 

— من أنتِ؟

 

أجابته:

 

— اسمي إيرا.

 

سقط الاسم داخل رأس إيلان كصوت بعيد.

 

إيرا.

 

لماذا شعر أنه سمعه من قبل؟

 

لماذا بدا الاسم مألوفًا؟

 

ولماذا شعر بألم مفاجئ خلف عينيه بمجرد أن نطقته؟

 

أمسك إيلان رأسه.

 

قال إيلان:

 

— أنا لا أتذكر.

 

قالت إيرا:

 

— أعرف.

 

قال إيلان:

 

— إذن كيف تعرفينني؟

 

قالت إيرا:

 

— لأنني تذكرت عنك ما نسيتَه أنت.

 

ثم انطفأت أجزاء من المدينة الحمراء.

 

واحدة تلو الأخرى.

 

بدأت الأبراج تختفي.

 

الممرات تنطفئ.

 

الأبواب تغلق.

 

قال نيراف:

 

— ماذا يحدث؟

 

قالت إيرا:

 

— لقد اكتشفوا أنكم هنا.

 

قال كايان:

 

— من؟

 

لم تجب.

 

قالت سيرا:

 

— إيرا، من هم؟

 

نظرت إيرا خلفها.

 

ثم قالت:

 

— الذين لا يريدون أن تتذكروا.

 

وفجأة ظهر عدد كبير من الأشكال الحمراء في شوارع نيرافا.

 

لم تكن مركبات.

 

ولم تكن بشرًا.

 

كانت وحدات حراسة ضخمة، تتحرك بسرعة غير طبيعية، وتنتشر حول الأبراج.

 

قال كايان:

 

— يبدو أنهم يستعدون للقتال.

 

قالت إيرا:

 

— ليس بعد.

 

ثم نظرت إلى إيلان.

 

قالت:

 

— لكنهم سيفعلون.

 

ظهر صوت النظام بين المدينتين:

 

تحذير.

 

الاتصال بين أوريال ونيرافا غير مصرح به.

 

يجب إنهاء الرابط فورًا.

 

قال إيلان:

 

— ماذا سيحدث إذا لم ننهيه؟

 

أجاب النظام:

 

سيتم اعتبار سكان المدينتين تهديدًا متبادلًا.

 

قال نيراف:

 

— تهديدًا متبادلًا؟

 

ثم أضاف:

 

— وماذا يعني ذلك؟

 

جاء الرد:

 

بداية الصراع.

 

قالت سيرا:

 

— لا يمكن أن تبدأ حرب بسبب مجرد اتصال.

 

ظهر رد النظام:

 

هذه ليست المرة الأولى.

 

صمت الجميع.

 

قال إيلان:

 

— ماذا حدث في المرة الأولى؟

 

توقّف النظام.

 

ثم ظهرت كلمة واحدة:

 

الخيانة.

 

قالت إيرا من بعيد:

 

— لا تصدقوا كل ما يقوله نظام أوريال.

 

نظر إليها إيلان.

 

قال إيلان:

 

— ولماذا؟

 

قالت إيرا:

 

— لأن أوريال لم تكن الضحية.

 

ساد الصمت.

 

ثم قالت:

 

— كانت هي التي بدأت.

 

تراجع نيراف.

 

قال نيراف:

 

— هذا مستحيل.

 

قالت إيرا:

 

— هذا ما يريدونكم أن تصدقوه.

 

قالت سيرا:

 

— ومن الذي بدأ الحرب إذن؟

 

أجابت إيرا:

 

— لم تكن حربًا في البداية.

 

نظرت إلى إيلان.

 

وقالت:

 

— كانت قصة.

 

ارتبك إيلان.

 

قال إيلان:

 

— أي قصة؟

 

ابتسمت إيرا ابتسامة صغيرة حزينة.

 

وقالت:

 

— قصة شخصين.

 

ثم صمتت.

 

شعر إيلان بقلبه يخفق بقوة.

 

قال إيلان:

 

— من؟

 

قالت إيرا:

 

— شاب من أوريال…

 

ثم:

 

— وفتاة من نيرافا.

 

تجمدت سيرا.

 

قالت سيرا:

 

— وهل كانا السبب في الحرب؟

 

أجابت إيرا:

 

— لا.

 

ثم نظرت مباشرة إلى إيلان.

 

وقالت:

 

— كان حبهما هو السبب الذي جعل الآخرين يخافون.

 

شعر إيلان بقشعريرة.

 

قال إيلان:

 

— وما علاقتي أنا بهذه القصة؟

 

لم تجب إيرا.

 

لكن العلامة الموجودة على يد إيلان اشتعلت.

 

وفي اللحظة نفسها…

 

اشتعلت العلامة الموجودة على يد إيرا.

 

بنفس النبض.

 

مرة.

 

ثم مرة ثانية.

 

ثم مرة ثالثة.

 

قال نيراف:

 

— العلامتان تتفاعلان.

 

قال كايان:

 

— هذا ليس طبيعيًا.

 

اقتربت إيرا أكثر من حافة البرج.

 

قالت:

 

— لا.

 

ثم أضافت:

 

— لأنه ليس أول مرة يحدث فيها ذلك.

 

قال إيلان:

 

— ماذا تعنين؟

 

قالت إيرا:

 

— حدث قبل ألف عام.

 

ثم:

 

— وحدث قبل ذلك.

 

ثم:

 

— وسيحدث مرة أخرى.

 

قال إيلان:

 

— ماذا سيحدث؟

 

نظرت إليه إيرا طويلًا.

 

ثم قالت:

 

— ستختارني مرة أخرى.

 

توقفت أنفاس الجميع.

 

قال إيلان:

 

— أنا لم أخترك.

 

قالت إيرا:

 

— ليس بعد.

 

وفجأة انفجر أحد الأبراج خلفها بضوء أحمر هائل.

 

سمعوا صوتًا قويًا من داخل نيرافا:

 

تم تحديد موقع المفتاح البنفسجي.

 

ثم:

 

تم تحديد موقع المفتاح الأحمر.

 

ثم:

 

مطابقة الذاكرة: 98%.

 

ثم ظهرت كلمة أخيرة:

 

إيرا.

 

تراجعت الفتاة خطوة.

 

قالت سيرا:

 

— إيرا، ماذا سيحدث الآن؟

 

قالت إيرا:

 

— سيحاولون أخذي.

 

قال إيلان:

 

— لن أسمح لهم.

 

نظرت إليه إيرا.

 

ولأول مرة ظهر الخوف الحقيقي في عينيها.

 

قالت إيرا:

 

— لا تقل ذلك.

 

قال إيلان:

 

— لماذا؟

 

قالت:

 

— لأنك قلتها أيضًا في المرة السابقة.

 

قال إيلان:

 

— وماذا حدث؟

 

خفضت إيرا عينيها.

 

وقالت:

 

— متَّ.

 

صمت إيلان.

 

قال إيلان:

 

— ماذا؟

 

قالت إيرا:

 

— أنت متَّ.

 

ثم رفعت عينيها إليه.

 

— وأنا قتلت الرجل الذي قتلك.

 

لم يتحرك أحد.

 

قال نيراف:

 

— ماذا تقولين؟

 

قالت إيرا:

 

— الحقيقة التي حُذفت من ذاكرتكم.

 

ثم بدأت المدينة الحمراء تهتز.

 

ظهرت عشرات البوابات حول البرج.

 

ومن داخلها خرجت وحدات حراسة أكثر ضخامة.

 

قالت إيرا:

 

— انتهى وقت الكلام.

 

قال إيلان:

 

— ماذا أفعل؟

 

قالت إيرا:

 

— لا تفعل شيئًا.

 

ثم ابتسمت.

 

وقالت:

 

— فقط تذكّر.

 

وفجأة…

 

اندفع ضوء أحمر من يد إيرا إلى يد إيلان.

 

أغلق إيلان عينيه.

 

وفي لحظة واحدة…

 

رأى شيئًا.

 

لم يكن حلمًا.

 

كان ذكرى.

 

رأى نفسه منذ ألف عام.

 

كان يقف في مكان لم يعرفه.

 

وكانت إيرا أمامه.

 

كانت تبكي.

 

وكان هو يمسك يدها.

 

ثم سمع صوته القديم يقول:

 

— إذا حدث لي شيء…

 

قالت إيرا:

 

— لا تقل ذلك.

 

قال إيلان:

 

— إذا حدث لي شيء، لا تثقي بأوريال.

 

قالت إيرا:

 

— وإذا حدث لي شيء؟

 

اقترب منها.

 

وقال:

 

— سأعود إليكِ.

 

ثم تغير المشهد.

 

رأى جنودًا.

 

رأى مدينتين.

 

رأى نارًا حمراء وبنفسجية.

 

رأى السماء تنقسم.

 

رأى إيرا تسقط.

 

ورأى نفسه…

 

يموت.

 

ثم رأى شيئًا لم يكن مستعدًا لرؤيته.

 

شخصًا سادسًا يقف خلفهما.

 

الشخص الذي لا يظهر وجهه أبدًا.

 

مد يده.

 

ووضعها على كتف إيلان القديم.

 

ثم قال:

 

— لن تتذكرا بعضكما أبدًا.

 

فتح إيلان عينيه فجأة.

 

كان يلهث.

 

كانت إيرا لا تزال أمامه.

 

لكنها لم تعد تنظر إليه.

 

كانت تنظر إلى شيء خلفه.

 

قالت إيرا بصوت مرتجف:

 

— لقد وجدكم.

 

التفت إيلان.

 

لم يرَ شيئًا.

 

قال إيلان:

 

— من؟

 

لم تجب.

 

ثم ظهر على سطح الفراغ بين المدينتين…

 

ظل هائل.

 

ظل لشخص يقف في مكان لا يمكن أن يقف فيه أحد.

 

ثم ظهر صوت واحد:

 

— كفى.

 

انطفأت العلامتان.

 

واختفت إيرا من فوق البرج.

 

صرخ إيلان:

 

— إيرا!

 

لكنها لم تعد هناك.

 

وفي اللحظة نفسها ظهر آخر أمر على نظام أوريال:

 

تم إغلاق الاتصال.

 

ثم:

 

المرحلة الثانية بدأت.

 

ثم ظهرت جملة أخيرة…

 

الممنوع الآن ليس دخول نيرافا.

 

الممنوع هو أن يعرف إيلان لماذا يحب إيرا.

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *