الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
— «الآن فقط… بدأت تتذكر لماذا أنقذتني.»
ظلّت كلمات آرين معلّقة في الفراغ، وكأنها لم تكن مجرد جملة قالها طفل، بل مفتاحًا أُدير داخل شيء قديم ظل مغلقًا لآلاف السنين.
لم يتحرك إيلان.
لم يستطع.
كان ينظر إلى آرين، إلى عينيه اللتين لم تعودا تشبهان عيني طفل خائف، بل عيني شخص عاش شيئًا لا يمكن لعقل طبيعي أن يحتمله.
أما إيرا، فكانت واقفة خلفه، ووجهها شاحب، ودموعها لم تتوقف.
وفجأة…
تغير الضوء حولهم.
لم يعد بنفسجيًا.
ولا أحمر.
ظهر لون ثالث.
لون لم تره أوريال من قبل.
لون بدا وكأنه خليط من الأزرق والبنفسجي والأحمر، لكنه لم يكن أيًا منها.
ارتفع الضوء من جسد آرين، وانتشر في الأرض، ثم صعد إلى الجدران.
وفي اللحظة نفسها، خرج صوت النظام من كل الاتجاهات:
النظام المركزي:
— «تحذير… تحذير… تم اكتشاف تفاعل غير مصرح به.»
رفع إيلان رأسه.
إيلان:
— «مع ماذا؟»
ساد الصمت لثانيتين.
ثم أجاب النظام:
النظام المركزي:
— «مع أوريال.»
نظر إيلان إلى آرين.
إيلان:
— «هو لم يفعل شيئًا.»
النظام المركزي:
— «وجوده هو الفعل.»
تجمد الجميع.
اقتربت سيرا من إيلان.
سيرا:
— «ماذا يعني ذلك؟»
لكن النظام لم يجبها.
فجأة انفتحت عشرات البوابات الصغيرة في جدران القاعة.
خرجت منها وحدات آلية لم يرها أحد من قبل.
لم تكن مثل حراس أوريال المعتادين.
كانت أكثر نحافة، أكثر سرعة، وبدون أي ملامح.
وفي صدر كل وحدة كان يوجد نفس الرمز الموجود على يد إيلان.
لكن الرمز هذه المرة كان أسود.
قال كايان بصوت منخفض:
كايان:
— «هذه ليست وحدات دفاع.»
نظر إليه نيراف.
نيراف:
— «إذن ماذا تكون؟»
ابتلع كايان ريقه.
كايان:
— «وحدات حذف.»
تراجعت نورا خطوة.
نورا:
— «حذف ماذا؟»
نظر كايان إلى آرين.
كايان:
— «أي شيء تعتبره أوريال خطأً في وجودها.»
رفع آرين عينيه نحو الوحدات.
لم يبدُ عليه الخوف.
بل ابتسم.
ابتسامة صغيرة أربكت الجميع.
إيلان:
— «لماذا تبتسم؟»
أجاب آرين بهدوء:
آرين:
— «لأنهم لا يستطيعون حذفي.»
تقدم أحد الحراس نحوه.
ثم صدر أمر واحد من النظام:
النظام المركزي:
— «الهدف الأول: آرين.»
اندفعت الوحدة بسرعة هائلة.
لكن قبل أن تصل إليه…
اختفى آرين.
صرخت نورا.
نورا:
— «آرين!»
ظهر الطفل خلف إيلان مباشرة.
وضع يده على كتف إيلان.
وفي اللحظة التي لمس فيها جسده…
توقفت جميع الوحدات.
ليس لثانية.
بل توقفت تمامًا.
كأن الزمن نفسه انقطع عنها.
نظر إيلان إلى يده.
العلامة الموجودة عليها كانت مضيئة.
لكنها لم تعد بنفس الشكل.
بدأت تتغير.
تتفرع.
ثم ظهرت داخلها علامة صغيرة تشبه عينًا مغلقة.
قال آرين:
آرين:
— «إنها تعرفني.»
إيلان:
— «من؟»
رفع آرين رأسه نحو السقف.
آرين:
— «أوريال.»
ثم أضاف:
آرين:
— «لكنها لا تعرف أنها تعرفني.»
ساد الصمت.
فجأة ظهر وجه ليارا على أحد الجدران.
لم تكن صورتها كاملة.
كانت ملامحها تتشكل من آلاف النقاط الضوئية.
ليارا:
— «إيلان… اسمعني.»
اقترب إيلان من الصورة.
إيلان:
— «ليارا! أين أنت؟»
ليارا:
— «لست في مكان يمكنك الوصول إليه.»
إيلان:
— «ماذا يحدث؟»
نظرت ليارا إلى آرين.
ثم تغير تعبير وجهها.
لأول مرة منذ عرفوها…
بدت خائفة.
ليارا:
— «آرين لم يدخل مشروع الصفر.»
صمتت لحظة.
ليارا:
— «آرين خرج منه.»
تبادل الجميع النظرات.
قال الرجل العجوز:
الرجل العجوز:
— «هذا مستحيل.»
التفتت إليه ليارا.
ليارا:
— «أنت تعرف أنه ليس مستحيلًا.»
خفض الرجل العجوز رأسه.
الرجل العجوز:
— «كنت أتمنى ألا يصل هذا اليوم.»
اقترب إيلان منه.
إيلان:
— «أنت تعرف الحقيقة.»
لم يجب الرجل.
إيلان:
— «أنت تعرف لماذا أنقذته.»
ظل الرجل صامتًا.
اقترب إيلان أكثر.
إيلان:
— «وأنت تعرف لماذا تريد أوريال ونيرافا قتله.»
رفع الرجل العجوز عينيه إليه.
الرجل العجوز:
— «لأن آرين ليس ابنك فقط.»
توقف إيلان.
الرجل العجوز:
— «آرين هو الشيء الوحيد الذي لم تستطع المدينتان تقسيمه.»
قالت إيرا:
إيرا:
— «ماذا تقصد؟»
أجاب الرجل:
الرجل العجوز:
— «أوريال تستطيع التحكم في أجساد سكانها.»
ثم نظر نحو الضوء الأحمر القادم من بعيد.
الرجل العجوز:
— «ونيرافا تستطيع التحكم في ذاكرتهم.»
ثم أشار إلى آرين.
الرجل العجوز:
— «لكن هذا الطفل… يحمل الاثنين.»
ساد الصمت.
قال نيراف:
نيراف:
— «إذن هو نصف أوريال ونصف نيرافا.»
هز الرجل رأسه.
الرجل العجوز:
— «لا.»
ثم قال ببطء:
الرجل العجوز:
— «هو أكثر من ذلك.»
اقترب آرين من الرجل.
آرين:
— «أنت كنت هناك.»
ارتجف الرجل.
الرجل العجوز:
— «لا تتذكر.»
ابتسم آرين.
آرين:
— «أنا أتذكر.»
تغير وجه الرجل.
الرجل العجوز:
— «ماذا تتذكر؟»
نظر آرين إلى إيلان.
ثم إلى إيرا.
ثم قال:
آرين:
— «أتذكر اليوم الذي مات فيه أبي.»
تجمد إيلان.
إيلان:
— «أنا؟»
أومأ آرين.
آرين:
— «كنت هناك.»
اقترب آرين منه.
آرين:
— «رأيتك تموت.»
ثم رفع عينيه.
آرين:
— «لكنني رأيت شيئًا آخر أيضًا.»
لم يتنفس أحد.
إيلان:
— «ماذا رأيت؟»
قال آرين:
آرين:
— «رأيت شخصًا يشبهك… يقتلك.»
اتسعت عينا إيرا.
أما الرجل العجوز فتراجع خطوة.
إيرا:
— «لا…»
نظر إيلان إلى آرين.
إيلان:
— «من كان؟»
لكن آرين لم يجب.
لأن صوتًا آخر خرج من خلفهم.
صوتًا يعرفه إيلان جيدًا.
صوتًا سمعه من قبل داخل الذاكرة.
الصوت المجهول:
— «كان أنا.»
استدار إيلان بسرعة.
كان الرجل السادس واقفًا عند المدخل.
لكن هذه المرة…
لم يكن وحده.
كان خلفه عشرات الأشخاص.
كل واحد منهم يحمل نفس وجه إيلان.
وجوه متطابقة.
أعمار مختلفة.
بعضهم أطفال.
بعضهم شباب.
بعضهم شيوخ.
لكن جميعهم يحملون العلامة نفسها.
قالت سيرا بصوت مرتجف:
سيرا:
— «كم إيلان هناك؟»
أجاب الرجل السادس:
الرجل السادس:
— «ليسوا إيلانات.»
ثم نظر إلى إيلان مباشرة.
الرجل السادس:
— «إنهم المحاولات.»
ارتفع صوت إنذار هائل في القاعة.
ثم ظهر على جميع الجدران:
النظام المركزي:
— «تم استعادة سجل المحاولات.»
ثم:
النظام المركزي:
— «عدد المحاولات: 117.»
ثم ظهرت جملة أخيرة:
النظام المركزي:
— «النسخة الحالية: 118.»
تراجع إيلان خطوة.
نظر إلى آرين.
ثم إلى الرجل السادس.
ثم إلى الوجوه المتطابقة خلفه.
وأخيرًا فهم لماذا كان النظام يرفض إخباره بالحقيقة.
لم يكن إيلان هو النسخة الأولى.
ولم يكن حتى النسخة السادسة.
كان…
المحاولة رقم 118.
وفجأة أضاءت علامة آرين.
ثم ظهرت جملة جديدة وحدها، لم يقلها النظام هذه المرة.
ظهرت من داخل عقل إيلان:
«إذا ماتت النسخة 118… تبدأ المحاولة 119.»
رفع إيلان عينيه ببطء.
لكن قبل أن ينطق…
انطفأت أضواء القاعة كلها.
وفي الظلام…
سمع صوت آرين:
آرين:
— «أبي… لا تدعهم يصلون إلى الباب.»
إيلان:
— «أي باب؟»
جاءت الإجابة من مكان بعيد جدًا.
مكان لم يكن موجودًا على أي خريطة.
آرين:
— «الباب الذي خرجتُ منه.»
ثم…
دوّى صوت فتح شيء ضخم تحت أوريال.
شيء لم يكن من المفترض أن يستيقظ.
وظهرت على الجدران كلمة واحدة:
«المحاولة 119… بدأت.»
انتظر الجزء القادم
![]()
