الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
— «المحاولة 119… بدأت.»
لم يفهم أحد ما الذي يعنيه ذلك.
لكن أوريال فهمت.
في اللحظة التي ظهرت فيها الجملة على الجدران، ارتجفت المدينة كلها.
لم يكن اهتزازًا عاديًا.
لم تتأثر الأبراج فقط، بل تحركت طبقات المدينة نفسها، وكأن أوريال لم تعد مدينة معلقة في الفراغ، وإنما جسد ضخم استيقظ بعد نوم دام ألف عام.
انطفأت كل الأضواء.
ثم عادت دفعة واحدة.
لكنها لم تعد بنفس اللون البنفسجي.
ظهرت خطوط سوداء بين الأبراج، ممتدة من قلب المدينة إلى أطرافها، وكأن شيئًا مظلمًا بدأ يشق طريقه داخل بنيتها.
رفع كايان جهازه أمام عينيه.
كانت البيانات تتغير بسرعة جنونية.
كايان:
— «الضغط الداخلي يرتفع.»
اقتربت منه سيرا.
سيرا:
— «من أين؟»
حرك كايان يده فوق الشاشة.
ظهرت خريطة ثلاثية الأبعاد لأوريال.
ثم بدأ جزء من الخريطة يضيء.
أسفل المدينة.
تحت طبقات الطاقة.
تحت قلب النور.
تحت كل شيء عرفه سكان أوريال طوال قرون.
قال كايان:
كايان:
— «من هنا.»
سأل نيراف:
نيراف:
— «ما الموجود هناك؟»
صمت كايان.
ثم قال:
كايان:
— «لا أعرف.»
ابتسم الرجل السادس من بعيد.
الرجل السادس:
— «لأنكم لم تعرفوا أبدًا.»
التفت إيلان إليه.
إيلان:
— «أنت تعرف.»
الرجل السادس:
— «أعرف ما يكفي لأعرف أن الوقت انتهى.»
إيلان:
— «أي وقت؟»
لم يجب.
فجأة دوّى صوت هائل.
ارتفعت أرضية القاعة.
ثم انقسمت إلى نصفين.
تراجع الجميع.
وفي منتصف القاعة ظهر شق طويل.
لم يكن شقًا في الأرض.
كان بوابة.
بوابة سوداء بالكامل.
لا مقابض.
لا مفاتيح.
لا أجهزة.
فقط سطح أسود أملس، تحيط به خطوط مضيئة تتحرك ببطء.
تقدم آرين خطوة.
أمسك إيلان بيده بسرعة.
إيلان:
— «لا تقترب.»
نظر آرين إليه.
آرين:
— «هو يريدني.»
إيلان:
— «من؟»
رفع آرين إصبعه نحو الباب.
آرين:
— «هو.»
ساد الصمت.
اقتربت إيرا من آرين.
إيرا:
— «لا تذهب إليه.»
نظر آرين إليها.
آرين:
— «أمي… أنتِ كنتِ تقولين لي ذلك كل مرة.»
توقفت إيرا.
إيرا:
— «كل مرة؟»
أومأ آرين.
آرين:
— «في كل محاولة.»
تغير وجه إيرا.
إيرا:
— «أنا… لم أكن أعرف.»
آرين:
— «كنتِ تعرفين.»
ثم قال بهدوء:
آرين:
— «لكنهم كانوا يمسحون ذاكرتك.»
اقتربت إيرا منه.
إيرا:
— «كم مرة حدث هذا؟»
نظر آرين إلى الباب.
آرين:
— «مائة وسبع عشرة مرة.»
شهقت نورا.
نورا:
— «وهل كنت موجودًا في كل مرة؟»
أجاب آرين:
آرين:
— «ليس بهذه الصورة.»
تقدم الرجل السادس.
الرجل السادس:
— «كفى.»
استدار آرين نحوه.
آرين:
— «أنت تخاف منه.»
لم يرد الرجل.
آرين:
— «أنت تخاف أن يفتح.»
قال الرجل السادس:
الرجل السادس:
— «أنا أخاف ما سيخرج منه.»
وفي اللحظة نفسها…
تحرك الباب.
ليس إلى الداخل.
ولا إلى الخارج.
بل بدأ يفتح من المنتصف، كما لو أن الظلام نفسه ينشق.
خرج منه ضوء أبيض شديد.
وللحظة واحدة، رأى الجميع شيئًا خلفه.
ممر.
طويل جدًا.
يمتد إلى مكان لا يبدو داخل أوريال.
وفي نهاية الممر…
كان هناك طفل آخر.
طفل يشبه آرين تمامًا.
لكن عمره لم يتجاوز ست سنوات.
صرخت إيرا:
إيرا:
— «آرين!»
التفت الطفل الموجود بجوار إيلان إليها.
آرين:
— «هذا ليس أنا.»
قال إيلان:
إيلان:
— «من إذن؟»
أجاب آرين:
آرين:
— «أنا قبل أن أنجو.»
توقفت أنفاس الجميع.
ثم بدأ الطفل الموجود داخل الممر يرفع يده.
وعلى كفه ظهرت العلامة نفسها.
لكنها كانت منقسمة إلى نصفين.
نصف بنفسجي.
ونصف أحمر.
قال نيراف:
نيراف:
— «إنه يحمل نظام المدينتين معًا.»
صححه آرين:
آرين:
— «لا.»
نظر إليه نيراف.
آرين:
— «هو أول واحد.»
قال الرجل العجوز:
الرجل العجوز:
— «أول ماذا؟»
أجاب آرين:
آرين:
— «أول طفل نجحوا في صنعه.»
ثم نظر إلى إيلان.
آرين:
— «وأنا أول طفل نجح في البقاء.»
اقترب إيلان من الباب.
بدأت العلامة على يده تتحرك.
كل خطوة يخطوها نحو الباب كانت تجعل العلامة أكثر وضوحًا.
صرخت ليارا من الجدار:
ليارا:
— «إيلان! لا تلمسه!»
توقف.
إيلان:
— «لماذا؟»
قالت ليارا بسرعة:
ليارا:
— «لأن الباب لا يفتح بك.»
نظر إيلان إلى آرين.
فهم.
إيلان:
— «يفتح به.»
أومأت ليارا.
ليارا:
— «وأنت لا تعرف ماذا سيحدث إذا دخل.»
تقدم آرين.
إيلان:
— «قلت لك لا تقترب.»
آرين:
— «لو لم أدخل… ستبدأ المحاولة 119 من جديد.»
إيلان:
— «ولن تدخل.»
آرين:
— «إذن سيموت الجميع.»
صمت إيلان.
إيرا:
— «آرين، لا.»
نظر إليها.
آرين:
— «أمي… أنتِ أنقذتِني مرة.»
اقترب منها.
آرين:
— «هذه المرة دوري.»
ثم أفلت يد إيلان.
وتقدم نحو الباب.
فور أن اقترب منه، بدأت المدينة بأكملها تستجيب.
أوريال أطلقت صفارات الإنذار.
وفي الجهة الأخرى…
ظهر نيرافا على الشاشات.
المدينة الحمراء كانت تستعد.
مئات الآلاف من الوحدات الدفاعية تحركت في لحظة واحدة.
ثم ظهر وجه مجهول على شاشة ضخمة.
وجه امرأة.
امرأة تبدو في منتصف العمر.
كانت ترتدي ملابس بيضاء بسيطة.
لكن عينيها كانتا مألوفتين.
مألوفتين لإيلان.
ولإيرا.
وللرجل العجوز.
قالت المرأة:
المرأة المجهولة:
— «أوقفوا الطفل.»
رفع إيلان رأسه.
إيلان:
— «من أنتِ؟»
نظرت المرأة إليه.
ثم ابتسمت.
المرأة المجهولة:
— «ألم تتذكرني بعد؟»
ارتجف الرجل العجوز.
الرجل العجوز:
— «لا…»
التفتت إليه المرأة.
المرأة المجهولة:
— «أنت تحديدًا لا يحق لك أن تنكرني.»
ثم عادت بنظرها إلى إيلان.
المرأة المجهولة:
— «أنا من صنعت أول نسخة منك.»
ساد الصمت.
ثم أضافت:
المرأة المجهولة:
— «وأنا من صنعت آرين.»
تجمدت إيرا.
إيرا:
— «أنتِ؟»
المرأة المجهولة:
— «نعم.»
ثم قالت:
المرأة المجهولة:
— «لكن هناك شيئًا لم أخبركم به.»
اقترب إيلان من الشاشة.
إيلان:
— «ما هو؟»
ابتسمت المرأة.
المرأة المجهولة:
— «آرين لم يكن التجربة الأخيرة.»
تغير وجه الرجل السادس.
ولأول مرة…
بدا عليه الرعب الحقيقي.
الرجل السادس:
— «لا…»
نظرت إليه المرأة.
المرأة المجهولة:
— «بل كان التجربة التي نجحت.»
ثم انطفأت الشاشة.
وفي اللحظة نفسها…
وضع آرين يده على الباب.
فتح الباب بالكامل.
خرج منه صوت آلاف الأصوات معًا.
أصوات رجال.
نساء.
أطفال.
وجميعهم كانوا يرددون الجملة نفسها:
«لقد عاد الأصل.»
ثم انفتح الممر.
وفي آخره…
ظهر شيء لم يكن إنسانًا.
ولم يكن آلة.
كان كيانًا هائلًا من الضوء والظلام، يحمل في داخله مئات الوجوه.
لكن وسط تلك الوجوه كلها…
كان هناك وجه واحد واضح.
وجه إيلان.
قال آرين بصوت منخفض:
آرين:
— «هذا هو السبب الذي أنقذتني من أجله.»
نظر إيلان إلى الكيان.
إيلان:
— «ما هو؟»
أجاب آرين:
آرين:
— «لأنهم لم يكونوا يصنعونني لأعيش.»
توقف لحظة.
ثم قال:
آرين:
— «كانوا يصنعونني… لأوقظه.»
وفجأة…
فتح الكيان عينيه.
وفي اللحظة نفسها، انطلقت من قلب أوريال إشارة واحدة وصلت إلى نيرافا.
ظهرت على شاشات المدينتين جملة واحدة:
«الحرب ليست بين أوريال ونيرافا.»
ثم ظهرت الجملة الثانية:
«الحرب الحقيقية… بدأت الآن.»
انتظر الجزء القادم
![]()
