ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261018 WA0020

 

 الكاتب: موسى محمد يوسف

 

 

في تلك المدينة التائهة تحت وطأة الضباب السرمدي، كانت الأشياء تفقد ألوانها وتتلاشى هويّاتها في رماديةٍ طاحنة. هناك، عند طرف زقاقٍ مهجور، كان يقبع دكانٌ عتيق يكتنز بين جدرانه مصابيح زجاجية بديعة الصنع، تفوق الخيال في حُسن نقوشها، لكنها كانت تقف صامتةً ومطفأة.

 

كان العجوز صاحب الدكان يبيع الهيكل، يبيع الوعاء الزجاجي البارد، ويرفض أن يمنح المشترين قبسًا من النور أو شمعةً يوقدون بها عتمتهم؛ مدّعيًا أن الأدوات تُباع، أما الضياء فخيرٌ للإنسان أن يجدَه بنفسه في أعماق ذاته.

 

دخل أحد الشباب ذلك الدكان يحمل في صدره خيبةً أثقل من الجبال، وقلبًا انطفأ شغفُه حتى استحال رمادًا. ابتاع مصباحًا زجاجيًّا باهتًا يكسوه الركام الرمادي، وألقى به في زاوية مهملة من غرفته المظلمة، هازئًا بفلسفة الشيخ الطاعن في السن، ومقتنعًا بأن لا شيء في هذا العالم يستحق المحاولة.

 

ومرّت أيامٌ ثقال، حتى أقبلت ليلةٌ شديدة الهول، تتصاعد فيها صرخات الرياح وتتساقط فيها أمطارٌ عاصفة تكاد تجمّد الأرواح. وبينما كان الشاب يغرق في وحشته، سمع نقرًا واهنًا على زجاج النافذة، صوتًا يكاد لا يُبين، أشبه بأنينٍ يستجدف الحياة. وعندما فتح النافذة، وجد طيرًا صغيرًا بلّلت الأمطار ريشه حتى تجمّدت أطرافه، وكان يرتجف.

 

في تلك اللحظة بالذات، استيقظ في قلب الشاب شيءٌ كان يظن أنه مات إلى الأبد: الرحمة. أخذ الطير بين كفّيه المرتجفتين، وضمّه إلى صدره بكل ما بقي فيه من دفء، ثم راحت عيناه تطوفان في الغرفة بحثًا عن مصدر حرارةٍ يقي هذا الجسد الضئيل طغيان البرد. لم يجد سوى شمعةٍ ضئيلة كادت تُنسى في درج طاولته القديمة.

 

أشعل الشمعة، ولكي يحمي لهبها الضعيف من تيارات الهواء العاتية، وضعها داخل ذلك المصباح الباهت الذي اشتراه من العجوز، وقرّب الطير منه. وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان؛ لم يكن الزجاج مجرد وعاءٍ عادي، بل كان ينتظر تلك الشمعة تحديدًا ليُفصح عن سحره المكتوم! انعكس اللهب الضئيل على جدران المصباح، فاستحالت العتمة مهرجانًا من الألوان الدافئة والنقوش المبهرة التي خُطّت بدقةٍ، ولم تكن تُرى في العتمة.

 

أضاءت الغرفة، ودفئ الطير، وشعر الشاب بسلامٍ عميق يتدفق في عروقه، لم يعرفه منذ سنوات. حينها فقط، فهم الحكمة التي طالما سخر منها: إن الحياة تجود علينا بالظروف والفرص والأدوات، لكنها لن تبذل لنا السعادة والرجاء على أطباقٍ جاهزة؛ فالنور الحقيقي لا ينبعث في حياتك إلا عندما تشعله أنت برحمتك، وبسعيك المخلص، وبلمسة لطفٍ تقدمها في أعتك الأوقات.

 

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *