الكاتبه أمل سامح
لم يكن يبكي… لكنَّ شيئًا في صدره كان ينزف.
كان واقفًا، كأن الحياة نسيت أن تمنحه حقَّ السقوط، أو كأن السقوط نفسه لم يعد كافيًا ليُريح قلبًا تعلَّم أن يحمل العالم فوق جرحه.
حولَه عيونٌ كثيرة… كلُّ عينٍ تُراقبه، وكلُّ نظرةٍ تنتزع منه جزءًا، وكلُّ صوتٍ يمدُّ خيطًا جديدًا حول روحه، حتى صار لا يعرف: هل ما زال يعيش لنفسه، أم أصبح مجرَّد دميةٍ تُحرِّكها أيدي الآخرين؟
خيوطٌ من الخوف… وخيوطٌ من الذنب… وخيوطٌ نسجها الحبُّ حين تحوَّل إلى امتلاك، والصداقة حين ارتدت قناع الوفاء، والثقة حين عادت إليه خنجرًا مغروسًا في ظهره.
وكان أغرب ما في الحكاية… أنَّ الذين قيَّدوه، أقنعوه أنَّهم يحاولون إنقاذه!
كلُّ واحدٍ منهم أمسك بطرفٍ من روحه، ثم أخبره كيف ينبغي أن يعيش، وماذا ينبغي أن يقول، ومَن ينبغي أن يكون، حتى نسي صوته الحقيقي، وصار يستأذن الجميع قبل أن يشعر، ويعتذر عن حزنه، ويخجل من ضعفه، ويخفي جراحه كي لا يُتَّهم بالمبالغة.
حتى قلبه… ذلك الذي ظلَّ يخفق رغم كلِّ ما مرَّ به، لم يتركوه وشأنه.
وضعوا عليه مراسيهم، وأثقالهم، وخيباتهم، ثم تساءلوا بدهشة: لماذا لا يستطيع الطيران؟
يا لغرابة البشر! يُثقِلون أرواح بعضهم بالحجارة، ثم يلومونها لأنَّها لم تصل إلى السماء.
وفي الخلفية، كانت الأقنعة معلَّقة… وجوهٌ بلا ملامح حقيقية، وابتساماتٌ تُخفي أنيابًا، وعيونٌ تُحدِّق فيه كأنَّها تعرف عنه كلَّ شيء، بينما لم يحاول أحدٌ أن يسأله يومًا: ماذا حدث لك؟
لم يسأله أحدٌ عن الليالي التي حارب فيها أفكاره وحده، ولا عن المرات التي ابتلع فيها صرخته كي لا يُفسد على الآخرين راحتهم، ولا عن تلك اللحظة التي وقف فيها أمام المرآة طويلًا، يبحث عن وجهه بين الوجوه التي أجبروه على ارتدائها.
كان يريد فقط أن يعود إليه… أن ينزع الخيوط من قلبه، لا من جسده. أن يُسكت العيون التي تسكن رأسه. أن يتخلَّص من الشعور القاسي بأنَّ عليه أن يكون مقبولًا لدى الجميع، حتى لو اضطرَّ إلى أن يصبح غريبًا عن نفسه.
لكنَّه اكتشف متأخرًا أنَّ بعض القيود لا تُصنع من الحديد، بل من الخوف من الفقد، ومن الحاجة إلى القبول، ومن ذكرياتٍ لم تُشفَ، ومن أشخاصٍ رحلوا وتركوا أصواتهم تعيش فينا كأنَّهم لم يرحلوا.
وأقسى السجون ليست تلك التي تُغلَق أبوابها من الخارج… بل تلك التي نتعلَّم فيها الدفاع عن قضبانها، ونخاف حين يقترب أحدٌ ليساعدنا على التحرُّر.
رفع رأسه أخيرًا… لم تكن العيون قد اختفت، ولم تكن الأقنعة قد سقطت، ولم تكن الخيوط قد انقطعت.
لكنَّه، للمرة الأولى، نظر إلى يديه.
واكتشف أنَّ بعض الخيوط كانت تمتدُّ من داخله هو أيضًا؛ خيوطٌ ربطها بنفسه إلى أشخاصٍ لم يخشَ فقدانهم بقدر ما خشي أن يكتشف مَن يكون من دونهم.
وهنا بدأ السؤال الحقيقي…
ليس: مَن قيَّدني؟
بل:
كم مرَّةً كنتُ أملك حريتي، واخترتُ القيد لأنني خفتُ من الوحدة؟
وكم مرَّةً خنتُ نفسي لأحافظ على صورةٍ جميلةٍ لي في عيون أناسٍ لم يروا يومًا ما يحدث داخلي؟
وكم وجهًا ارتديتُ، حتى صار وجهي الحقيقي هو الغريب الوحيد عنِّي؟
ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى مَن ينقذه… ربما يحتاج إلى لحظة صدقٍ واحدة، يواجه فيها نفسه بلا قناع، ويعترف بأنَّ بعض ما يسمِّيه قدرًا كان خوفًا، وبعض ما يسمِّيه وفاءً كان استنزافًا، وبعض ما يسمِّيه حبًّا كان حبلًا يلتفُّ حول عنقه ببطء.
وربما تكون النجاة أن نترك بعض الخيوط تسقط، حتى لو سقط معها أشخاصٌ ظننَّا يومًا أنَّ الحياة لا تستقيم من دونهم.
فليس كلُّ مَن أمسك بيدك يريد أن ينقذك… وليس كلُّ مَن ترك يدك أراد لك السقوط.
وأمَّا ذلك الإنسان الواقف في منتصف الصورة…
فلا أحد يعرف إن كان على وشك الانهيار، أم على وشك التحرُّر.
لا أحد يعرف إن كان الصمت في عينيه هزيمةً، أم أنَّه وصل أخيرًا إلى مرحلةٍ لم يعد فيها مضطرًّا إلى تفسير جراحه لأحد.
كلُّ ما نعرفه أنَّه ما زال واقفًا…
وأنَّ قلبه، رغم كلِّ الخيوط، لم يتوقَّف عن النبض.
وربما… كان ذلك آخر شيءٍ لم يستطيعوا انتزاعه منه.
لكن أخبروني…
حين تُقطع آخر خيوطك، وتسقط الأقنعة من حولك، وتكتشف أنَّك لم تعُد تعرف مَن أنت…
هل تكون قد خسرتَ العالم؟
أم تكون قد بدأتَ، للمرة الأولى، في استعادة نفسك؟
![]()
