ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
File 000000001ac882108a3fc1905b05aa25

 

الكاتبه أمل سامح

 

يعجبني الخريف… لأنه لا يتردّد في إسقاط ما لم يعد قادرًا على الاحتفاظ به، حتى وإن كان يومًا جزءًا من جماله.

 

تأمّلتُ الأشجار طويلًا، وشعرتُ أن بينها وبين قلوبنا سرًّا لا يفهمه إلا الذين خذلتهم الأشياء التي أحبّوها.

 

فالورقة لا تسقط لأنها توقّفت عن حبّ غصنها، ولا لأن ذكرياتها معه انتهت، بل لأن لحظةً ما جاءت وأصبح البقاء يؤذيها أكثر من الرحيل.

 

كم من إنسانٍ ظلّ متمسّكًا بيدٍ لم تعد تتمسّك به، وبقلبٍ لم يعد يجد فيه مكانه، وبحكايةٍ انتهت منذ زمن، لكنه ظلّ يؤجّل نهايتها خوفًا من الفراغ الذي سيتركه الرحيل!

 

نحن لا نسقط دفعةً واحدة… نحن نتآكل بصمت، نمنح الفرص، ونختلق الأعذار، ونرمّم ما يكسره الآخرون فينا، حتى يأتي يومٌ لا نكره فيه أحدًا، ولا نعاتب أحدًا، ولا ننتظر حتى تفسيرًا واحدًا.

 

يومها فقط، نرحل…

 

لا لأننا لم نعد نحب، بل لأننا أدركنا أخيرًا أن الحبّ الذي يُجبرنا على خسارة أنفسنا كي نحافظ عليه، ليس وطنًا يستحقّ أن نبقى فيه.

 

لكن ثمة فرقًا موجعًا بين ورقةٍ أسقطتها الريح، وورقةٍ قرّرت بنفسها أن ترحل…

 

الأولى ربما كانت تتمنّى البقاء، أمّا الثانية فقد تعبت من انتظار ربيعٍ لا يأتي.

 

وأنا لا أعرف أيّهما أشدّ وجعًا؛ أن يتركك أحدهم لأن قلبه لم يعد يريدك، أم أن تضطرّ أنت إلى تركه بينما قلبك، بكل ما فيه من حنين، ما زال يختاره؟

 

ربما لهذا أحبّ الخريف…

 

لأنه لا يطلب من أوراقه أن تشرح لماذا سقطت، ولا يسألها أحدٌ إن كانت ما تزال تحبّ أغصانها.

 

يسمح لها بالرحيل فحسب.

 

فهل نمتلك جميعًا شجاعة الخريف؟ أم أن بعضنا يظلّ معلّقًا بأغصانٍ تؤذيه، فقط لأنه يخشى أن يكتشف أن السقوط ليس نهاية الحياة… بل بدايتها؟

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *