ﺟﺎﺭ ﺍﻟﺘﺤﻤﻴﻞ ...
IMG 20261022 WA0001

بقلم/ سعد غنيم

 

قد يكون هاتفك ممتلئا بالأسماء، وبيتك مفتوحا للزوار، ومجلسك مزدحما بالناس، ثم تأتي أزمة واحدة فتكتشف أن كل هذا الزحام لم يكن حولك أنت، بل حول شيء تملكه. منصب يمنحك القدرة، أو مال يفتح الأبواب، أو علاقات تقضي المصالح. وحين يتغير الحال، تقل المكالمات، وتختفي الزيارات، وتسمع الصمت من أشخاص كنت تظن أنهم لن يغيبوا أبدا.

وفي المقابل، قد يعيش إنسان بسيط بعيدا عن الأضواء، لا يملك سلطة ولا ثروة، لكنه إذا مرض وجد من يطرق بابه، وإذا غاب وجد من يفتقده، وإذا ضاقت به الدنيا وجد من يقول له: أنا معك.

هنا يظهر الفرق بين أن تكون مهما، وأن تكون غاليا.

المهم في حسابات المصلحة هو من يحتاج الناس إلى ما عنده. أما الغالي فهو من يحب الناس وجوده، حتى حين لا يكون عنده شيء يقدمه. المهم قد يسأل البعض عنه لأنهم ينتظرون منه خدمة، والغالي يسألون عنه لأنهم يريدون الاطمئنان عليه. هناك من يخشى الناس أن يفقدوا فائدته، وهناك من يؤلمهم أن يفقدوا حضوره.

وليست المشكلة في أن تكون مهما. فمن الجميل أن تنجح، وأن تصبح صاحب مكانة، وأن تكون قادرا على مساعدة غيرك. لكن المشكلة أن تعتمد في بناء علاقتك بالناس على مكانتك وحدها، وأن تظن أن كل من اقترب من كرسيك اقترب من قلبك، وأن كل من امتدح قدرتك أحب شخصك.

فالمنصب يستطيع أن يجمع الناس حول مكتبك، لكنه لا يستطيع وحده أن يزرع محبتك في قلوبهم. والمال قد يجعل دعوتك مزدحمة، لكنه لا يضمن أن تجد من يجلس بجوارك حين يشتد حزنك. والشهرة تجعل اسمك معروفا، أما المواقف فهي التي تجعل غيابك محسوسا.

تخيل رجلا اعتاد أن يجد هاتفه مشغولا طوال اليوم. هذا يطلب تدخلا، وذاك ينتظر مساعدة، وثالث يكثر من السؤال والثناء. كان يشعر أنه محاط بالمحبين، حتى ترك منصبه. وبعد أسابيع، اكتشف أن كثيرا ممن كانوا يسألون عنه كل صباح لم يعودوا يجدون وقتا لمكالمة واحدة.

ثم زاره شخص لم يكن كثير الحضور في أيام سلطته. جلس معه، وسأله عن صحته وأسرته، واستمع إليه طويلا. وحين سأله الرجل: هل تحتاج مني شيئا؟ قال: جئت لأراك، فقد اشتقت إليك.

هذه الجملة البسيطة قد تكشف للإنسان ما لم تكشفه سنوات من المجاملات. هناك من يأتي لأن عندك شيئا، وهناك من يأتي لأنك أنت تعني له شيئا.

والغالي لا يولد غاليا في قلوب الناس لمجرد أنه يريد ذلك. المحبة لها بذور، ولها أيام تسقى فيها، ولها مواقف تثبت صدقها. من يسأل عن الناس في أيامه المزدحمة، يجد غالبا من يسأل عنه في أيام وحدته. ومن يحفظ كرامة المحتاج، يترك في قلبه أثرا أعمق من المساعدة نفسها. ومن يخفف عن غيره دون أن ينتظر مقابلا، يبني علاقة لا تنتهي بانتهاء المنفعة.

أحيانا لا يتذكر الإنسان قيمة المال الذي أعطيته له، لكنه يتذكر جيدا كيف عاملته وهو يطلبه. يتذكر أنك لم تحرجه، ولم تجعله يشعر بأنه أقل منك، ولم ترو قصته في كل مجلس. وقد ينسى الكلمات التي قلتها، لكنه لا ينسى أنك حضرت يوم غاب الآخرون، وأنك تحملت ضعفه، وأنك رأيت وجعه ولم تسخر منه.

بهذه التفاصيل الصغيرة يصبح الإنسان غاليا.

يصبح غاليا حين يكون أمينا على سر، صادقا في وعد، رحيما في خلاف. حين يستطيع أن ينتصر في نقاش، لكنه يختار ألا يكسر قلبا. وحين يملك القدرة على الإيذاء، لكنه يحفظ العشرة. وحين يساعد أحدا، ثم يتركه يمضي بكرامته، دون أن يطالبه كل يوم بأن يتذكر فضله.

وفي قصة سيدنا يوسف معنى عظيم يستحق التأمل. فبعد ما تعرض له من أذى، تغير حاله وصار صاحب مكانة وقدرة، وجاءه إخوته وهم في حاجة إليه. وكان في استطاعته أن يجعل لحظة قوته لحظة انتقام، لكنه اختار العفو.

كان مقامه كبيرا، وكان عفوه كاشفا عن كبر نفسه. وهذه رسالة لكل من منحه الله قدرة: يستطيع الناس أن يعرفوا أهميتك مما تملكه، لكنهم يعرفون معدن قلبك مما تفعله حين تستطيع.

فإذا صرت قويا، فلا تجعل قوتك سببا في خوف الناس منك. وإذا صرت ميسورا، فلا تجعل مالك حاجزا بينك وبين من عرفوك في البدايات. وإذا ارتفعت مكانتك، فتذكر الذين جلسوا معك قبل أن يكون لك لقب، والذين أحبوك قبل أن يصبح اسمك معروفا.

من المؤلم أن يمنح الإنسان أفضل ما فيه للغرباء، ثم يترك لأهل بيته ما تبقى من صبره ووقته. يكون لطيفا مع الجميع، قاسيا على زوجته. ينصت طويلا لأصحابه، ويضيق بأسئلة أولاده. يسارع إلى مجاملة صاحب نفوذ، ويؤجل زيارة أب أو أم ينتظران حضوره.

أن تكون غاليا يبدأ من أقرب الناس إليك. من البيت الذي يعرفك دون ألقاب، ومن الوجوه التي رأت تعبك وضعفك، ومن القلوب التي تحتاج منك حنانا لا وجاهة. ما قيمة أن يقف لك الناس احتراما خارج بيتك، بينما يخشى أولادك الكلام معك داخله؟ وما قيمة أن يشيد الناس بكرمك، بينما يشعر أقرب الناس إليك بأنهم لا يجدون لك وقتا؟

المحبة تحتاج إلى حضور. تحتاج أن تسمع، وأن تسأل، وأن تعتذر حين تخطئ. تحتاج أن يشعر من يحبك بأنه يستطيع أن يتحدث إليك دون خوف، وأنك لن تستخدم ما يعرفه عن ضعفه ضده في أول خلاف.

ومع ذلك، فأن تكون غاليا لا يعني أن ترضي الجميع، أو أن تشتري محبتهم بالتنازل عن نفسك. ليس مطلوبا أن توافق على كل طلب، ولا أن تتحمل كل إساءة، ولا أن تظل تعطي حتى تستنزف روحك. المحبة السليمة تتسع لكلمة «لا»، وتحترم حدودك، وتبقى موجودة حتى عندما تعجز عن تقديم ما يطلبه الآخرون.

ومن لا يقبل وجودك إلا وأنت نافع له، يحتاج إلى مراجعة مكانه في حياتك. فالإنسان له حق أن يتعب، وأن يمر بظروف صعبة، وأن يحتاج إلى غيره كما احتاج غيره إليه. العلاقات التي تستحق البقاء لا تجعل العطاء طريقا في اتجاه واحد.

كذلك، لا ينبغي أن نظلم كل من غاب، أو نحكم على كل صمت بأنه خيانة. فقد يكون هناك من يحبنا ولا يعرف ما نمر به، أو من أثقلته همومه، أو من لا يحسن التعبير عن مشاعره. لكن مع الوقت تتضح المواقف، ويستطيع الإنسان أن يميز بين غياب فرضته الظروف، وغياب بدأ بمجرد انتهاء المصلحة.

والأزمات، رغم قسوتها، تكشف لنا وجوها كنا لا نراها بوضوح. تكشف الشخص الذي يبقى دون أن يملك حلا، لكنه يرفض أن يتركنا وحدنا. والذي لا يعرف كيف يخفف الوجع، فيكتفي بأن يسمع. والذي يسأل مرة أخرى بعد أن يهدأ اهتمام الجميع، ليتأكد أننا بخير.

قد لا تكون لدى هذا الشخص واسطة، ولا مال، ولا قدرة على تغيير الظروف، لكنه يقدم شيئا لا يعوض بسهولة: إحساسا بأنك لست وحدك.

وهذا هو معنى أن تكون غاليا. أن يجد وجودك مكانا في قلب أحد، وأن يكون الاطمئنان عليك غاية في حد ذاته. أن يحبك الناس في الأيام التي تقل فيها قدرتك، ويتغير فيها مزاجك، ويضعف فيها صوتك. أن تستطيع أن تخلع أمامهم ثوب القوة، وتقول: أنا متعب، دون أن تخشى أن تسقط من أعينهم.

لذلك، ونحن نسعى إلى النجاح، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نزرع في الناس ونحن في طريقنا؟ هل نترك خلفنا طمأنينة أم خوفا؟ هل يشعر من تعامل معنا بأنه كان محترما، أم بأنه كان صغيرا أمامنا؟ هل نحفظ الود حين تنتهي المصالح؟ وهل نسأل عن أشخاص لا نحتاج منهم شيئا؟

هذه الأسئلة تستحق أن تشغلنا بقدر ما تشغلنا ألقابنا ومكاسبنا. فالإنسان قد يقضي سنوات في بناء مكانته، ثم يكتشف أنه لم يمنح علاقاته ما يكفي من الصدق والاهتمام. وقد يملك القدرة على الوصول إلى آلاف الناس، لكنه لا يجد شخصا واحدا يستطيع أن يقول له ما في قلبه.

ازرع وأنت قادر. ازرع سؤالا صادقا، وموقفا كريما، وكلمة تجبر خاطرا. احفظ العشرة، ولا تؤجل الاعتذار، ولا تجعل انشغالك عذرا دائما للغياب عن الذين يحبونك. افعل الخير لأنك تؤمن به، ودع أثره يصل إلى القلوب دون إعلان أو حساب.

ولا تقيس قيمتك بعدد من يصفقون لك في أيام النجاح. انظر أيضا إلى من تستطيع أن تتصل به في يوم ثقيل، وإلى من يعرف حزنك من صوتك، وإلى من يطمئن عليك حين لا يكون هناك ما يستفيده منك.

اسع أن تكون مهما بعملك، نافعا بعلمك، ناجحا في طريقك. واجعل لقلبك نصيبا من هذا السعي. فالنجاح الذي يمنحك مكانة جميل، والمحبة التي تمنحك سندا تجعل الحياة أهون.

وحين تتبدل الأيام، وتخفت الأضواء، وينتهي ما كان يجذب الناس إليك، ستفهم قيمة أن يبقى شخص يطرق بابك، ويسأل عنك، ويجلس بجوارك، لأنه يحبك أنت.

المهم يجد من يقول له: نحتاج إليك.

أما الغالي، فيجد من يقول له: كيف حالك؟ نحن هنا من أجلك.

#سعد_غنيم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *