...
Img 20250625 wa0093

كتب: حسين العلي 

 

في هذه الصورة الرمزية البسيطة، تنبض مفارقة مؤلمة تختزل مأساة الإنسان، حين يُحاكم ذاته بمنظارٍ معطوب، ويختزل قيمته في انعكاسٍ زائف.

 

سمكةٌ بهية الألوان، واسعة الجناح، تقف قبالة مرآةٍ ضيقة لا تتسع لعظمتها. تنظر فلا ترى إلا خطًا أزرق نحيلًا، مسلوب التفاصيل، مفرغًا من الحياة. وحين تتكلم، لا تقول: أنا جميلة ، ولا حتى، من أنا؟، بل تهمس بانكسار: “أنا لستُ كافية.”

 

أيةُ سخرية مؤلمة أن يُختزل الجمال في زاوية رؤية! أن يُقاس الوجود بمقدار ما تعكسه مرآةٌ ضيقة، لا بما تحمله الذات.

 

الصورة ليست عن سمكة، بل عن كلّ قلبٍ نظر إلى نفسه عبر مرآة الآخرين، فظنّه ناقصًا. عن كل روحٍ صدّقت انعكاسًا مزيّفًا، ونسيت جوهرها، عمقها، كمالها الفريد.

 

إنها ليست مجرد صورة، بل مرآة نرفعها في وجوهنا كل يوم، دون أن ندري أننا نحاكم أنفسنا بها بغير عدل، نُقزّم عظمتنا لنلائم إطارًا لا يتسع حتى لأطراف أرواحنا. في لحظة من لحظات الانكسار، قد ننظر إلى ذواتنا عبر عيونٍ لم تحبّنا، أو عقولٍ لم تفهمنا، فنصدق أن الصورة الباهتة التي رأيناها هناك، هي نحن. وهكذا يبدأ الانحدار البطيء، حين نتخلى طوعًا عن ألواننا لنشبه انعكاسًا نحيلًا لا حياة فيه.

 

كم من جميلٍ رأى نفسه قبيحًا؟

وكم من نبيلٍ صدّق أنه دون؟

وكم من ذكيٍ تراجع خطوة، لأنه فشل مرة؟

إن الجرح العميق لا يأتي من الآخرين، بل من تلك اللحظة التي نكفّ فيها عن تصديق حقيقتنا، ونبدأ في تبنّي صورة رسمها غيرنا، ثم نحبس أنفسنا داخلها.

 

المرآة الضيقة قد تكون كلمة قالها أحدهم بلا تفكير، أو مقارنة ظالمة بيننا وبين غيرنا، أو حتى نظرة دونية تغلغلت من الطفولة، ونمت مع الوقت. تصبح تلك المرآة سجنًا باردًا، نتعلم داخله كيف نكتم الضوء، ونحني الجناح، ونقنع أنفسنا أننا لا نستحق الطيران.

 

لكن الحقيقة أن الكائن لا يُقاس بانعكاسه، بل بجوهره.

والمرآة، مهما بلغت دقتها، تظل سطحًا لا يلامس العمق.

نحن لا نُختصر في مظهر، ولا في رأي، ولا حتى في فشلٍ عابر. نحن مجموعة تجارب، وأحلام، ونوايا، وأثر. نحن ما نمنحه للعالم، لا ما يعكسه لنا.

 

حين تقول السمكة البهية: “أنا لستُ كافية”، فإنها تردّد صدى كل روح تعثّرت بثقل المقارنات، وغابت عنها حقيقة أن الكمال ليس في الخارج، بل في الداخل، في التفرد، في الشجاعة أن تكون أنتَ رغم كل شيء.

 

فلنكسر المرآة، أو لنتجاوزها على الأقل.

لنعرف أنفسنا خارج تلك الانعكاسات الضيقة، ولنُعد تعريف “الكفاية” من جديد:

أن تكون كافيًا لا يعني أن تكون كاملاً في عيون الجميع، بل أن تحتضن ذاتك كما هي، وتنظر إلى ضعفك بقلب رقيق، وإلى قوتك بعين امتنان.

 

ليتنا نعلم أبناءنا ألّا يقفوا طويلاً أمام المرايا، بل أن يسيروا نحو الضوء الذي بداخلهم،فالحياة أكبر من صورة، وأعمق من انعكاس، وكل منّا، حين يُحبّ نفسه بحق، يكون كافيًا، بل أكثر من كافٍ.

 

ولعلّ أعظم انتصار للإنسان، أن يرى نفسه بعين الحقيقة، لا بعين المرآة.

 

المرآة لم تكن يومًا أداة للحقيقة، بل مجرد صدى لما يسمح به الإطار.

ويا لَخسارة من يقيس ذاته بعينٍ لا تُبصر…

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *