كتبت: منال ربيعي
في زاويةٍ نائيةٍ من الروح، حيث تهدأ الأصوات وتنحلّ العُقد، يبدأ السكون في التسرّب شيئًا فشيئًا. لا يأتي كضيف مفاجئ، بل كحبيبٍ كان يراقب من بعيد، ينتظر أن تفرغ له مكانًا بين ضلوعك.
في تلك اللحظة التي لا تشتهي فيها شيئًا، ولا تجادل أحدًا، ولا تسأل لماذا، يُزهر السكون في القلب. ليس صمتًا ثقيلًا، بل حضورٌ خفيفٌ كنسمةِ فجرٍ فوق ماء النيل. هناك فقط، يبدأ الله في الهمس.
عشتُ زمنًا أركض خلف المعاني، أفتّش في الكتب، وأطرق أبواب العارفين، وأحفر في الكلام علّي أبلغ شيئًا من الطمأنينة. لكنني ما وجدت ما وجدتُ إلا حين جلست وحدي، لا أريد أن أُفهم، ولا أن أفهم، فقط أتنفّس ببطء وأُسلِم.
حين تسكن، يطفو كل شيء على السطح: خوفك، رغباتك، وجوه الراحلين، الكلمات التي قلتها وندمت، والأخرى التي سكتَّ عنها وتمنيت لو نطقت بها. لكنك لا تهرب، بل تنظر. وتظلّ تنظر حتى تذوب فيك المعاني وتنكشف الحُجب.
السكون ليس سكونَ الجسد، بل سكونُ القلب حين لا يعترض، وسكونُ النفس حين ترضى، وسكونُ الروح حين تكتفي بالله. هناك، بين الأنفاس، بين نبضٍ ونبض، يُولد السلام.
رأيت العارفين لا يُكثرون الكلام، ولا يطيلون الشرح، إنما يمشون بخُطى خفيفة، كأنهم يعبرون الدنيا إلى جهةٍ أخرى، جهةٍ لا تراها العيون المزدحمة بالضجيج. كل واحدٍ منهم يحمل سكونه كزهرةٍ خفية، يراها من كان له قلب.
وفي لحظةٍ صافية، أدركت أن كل ما كنت أبحث عنه لم يكن بعيدًا عني، كان يسكنني، فقط كنتُ مشغولةً عنه بي. السكون كان هناك، منذ البداية، ينتظر أن أسكُن.
![]()
