...
Img 20250626 wa0046

 

 

حوار: عفاف رجب 

 

بكل كلمة مكتوبة اليوم، تفتح أبواب جديدة إلى عوالم الفكر والشعور، حيث يلتقي الإنسان مع نفسه ويستكشف أعماق وجوده.

في هذا العالم من الكلمة، يوجد كُتاب يمتلكون القدرة على التعبير عن النفس بصدق وحرية، ويأخذوننا في رحلة إلى عوالم الفكر والشعور.

لذلك من قلب مدينة المنصورة، وُلد أحمد عادل عثمان عام 1999، ليكون أحد أبرز الأصوات الشابة في الوسط الثقافي المصري.

تخرج من أكاديمية للعلوم الطبية وحصل على بكالوريوس الخدمة الاجتماعية، لكن شغفه الحقيقي كان يكمن في عالم الكلمة والفكر.

أحمد عادل عثمان ليس مجرد كاتب أو صحفي، بل هو رحالة في عوالم الفكر والفلسفة.

يعمل كصحفي ومحرر لدى موقع جوك وجريدة الجمهورية اليوم، وقد عُرف بكتابة العديد من المقالات النوعية التي أثارت نقاشات واسعة في الأوساط الثقافية.

معظم مؤلفاته نُشرت ضمن مكتبات إلكترونية، وتتوافر مجانًا بصيغة PDF على مواقع عربية، منها:

 

حكايات الظلام: رحلة في أعماق النفس البشرية

اكتئاب حاد: نظرة فلسفية في معاناة الإنسان

الإنسان أصله بلح: سلسلة فلسفية تتناول أصول الإنسان وطبيعته

ذات المحاسن ابنة إبليس: رواية فلسفية تتناول الصراع بين الخير والشر

عزيزتي موناليزا: رسائل فلسفية في الفن والجمال

أفكار في زمن التحولات: مقالات فلسفية تتناول التغيرات الفكرية والثقافية

حقيقة أرض الميعاد: بحث فلسفي في أصول الديانات

سلسلة مقالات فلسفة الأديان: رحلة في عوالم الفكر الديني

سلسلة مقالات العائدون من الموت: نظرة فلسفية في الحياة والموت

يتميز أحمد عادل عثمان بأسلوبه الأدبي العميق والصادق، الذي يستحضر المشاعر الإنسانية المعقدة والصراع الداخلي.

 

إليكم نص الحوار مع الكاتب أحمد عادل.

 

ما هو دورك كصحفي في تناول القضايا الاجتماعية والإنسانية في المجتمع؟

ليست قضايا التيك توك والتريندات هي التي تسير غريزتي، بل القضايا التي تسير ضميري.

ما يشعل قلمي ويحرّك وجداني هو ألم الإنسان وصوت المقهور، وحكايات المهمَّشين التي تمضي في صمت. لا أبحث عن الصخب اللحظي، بل عن الأثر العميق.

ودوري أيضًا هو أن أكون مرآةً للواقع، وصوتًا لمن لا صوت له. أن أتناول القضايا الإجتماعية والإنسانية لا بوصفها مشكلات بعيدة، بل باعتبارها جراحًا تنزف في قلب المجتمع، وربما في قلبي أنا أيضًا.

أكتب، وأتحدث، وأفكر، لأُضيء الظلال التي يخشى الناس النظر فيها؛ أدافع عن المظلوم، وأطرح الأسئلة التي يتجنبها الآخرون، وأسعى لأن أكون جزءًا من الحل لا شاهدًا على الألم فقط.

 

ما هو السر وراء اختيارك لمواضيع مثل الاكتئاب والصراع الداخلي في كتاباتك؟

لأن كل إنسان مهما بدا قويًا أو مبتسمًا تمر عليه لحظة في حياته يشعر فيها بحزن دفين أو يدخل في صراع داخلي لا يُرى بالعين لكنه ينهش الروح بصمت. وهذا ليس ضعفًا، بل إنسانية خالصة.

أنا لا أكتب عن الاكتئاب حُبًا في الحزن، بل لأنني أؤمن أن الأدب الحقيقي يلامس ما يُخفى لا ما يُجمَّل.

من يقرأ مثلًا لدوستويفسكي، لن يتحدث عن اللون الوردي في الحياة ولن يرقص على أنماطها، بل سيغوص في أعماق النفس، في مناطق الألم والندم والقلق حيث توجد الحقيقة العارية.

أنا أفضّل هذا النوع من الأدب لأنه لا يبيع الوهم، بل يفتح نوافذ الصدق حتى لو كانت تطل على العتمة.

 

كيف تتعامل مع الضغوطات النفسية التي قد تنتج عن تناول مواضيع حساسة مثل الاكتئاب والصراع الداخلي؟ 

لن أكذب عليك وأقول إن الحياة بعدها تصبح بديعة أو أنني أخرج من الكتابة عنها وكأنني تنفست نسمات الربيع. الحقيقة أن من يكتب عن الألم، يمرّ به يلامسه ويترك شيئًا منه في كل سطر.

لكن كما أن الإنسان إذا تحدث عن السعادة من كل جوانبها شعر بنشوة حقيقية فكذلك الكتابة عن الاكتئاب، حين تُكتب بصدق فإنها تطهّر شيئًا ما في الداخل حتى وإن كانت موجعة.

الكتابة هنا ليست ترفًا بل مواجهة. مواجهة مع النفس أولًا ثم مع واقع لا يرحم أحيانًا أخرج من النص مثقلًا وأحيانًا أشعر وكأنني أنقذت جزءًا من روحي. إنها معركة نعم لكنها معركة تستحق أن تُخاض.

“وفي الكتابةِ أُشفى، لا لأنّ الجرحَ اندملَ… بل لأنّي حين أكتبُه، أُمسكُ بزمامِ ألمي.”

 

كيف يمكن للكتابة أن تكون وسيلة للتعافي والشفاء من الصدمات النفسية والاضطرابات العاطفية؟

 

أحيانًا، يُثقل الاكتئاب كاهل الإنسان حتى يشعر وكأنّ صدره قد ضاق عن أنفاسه وكأن العالم بأسره يُطبق عليه دون رحمة.

في تلك اللحظات، يبدأ بحثه المضني عن شخصٍ واحدٍ فقط يربت على كتفه بصمت ويُنصت إلى انكساره دون أحكام شخصٍ يسمعه حتى تنتهي العاصفة التي تعصف بداخله.

لكن حين لا يجد هذا الشخص وحين تغيب الأذرع الحانية والآذان المُصغية، يتجه إلى الورق…

وهنا تبدأ المعجزة.

الكتابة تصبح ذلك الصدر الواسع وتلك اليد التي تُربّت بلُطف وذلك الصديق الذي لا يملُّ الإصغاء.

يسكب الإنسان ما يثقل قلبه على السطور ينثر وجعه كمن ينظف جرحًا قديمًا وكلما كتب، شعر وكأن روحه تتنفس من جديد.

والكتابة ليست علاجًا بديلاً لكنها بدايةُ فهم وبوابةُ وعي، ومُتنفّسٌ للروح حين تعجز كل الأصوات. في كل سطر نكتبه، شظيةُ وجعٍ تسقط وقنديلٌ صغير يُضاء في نفق القلب.

 

ما هي التحديات التي واجهتها في نشر أعمالك الأدبية إلكترونيًا، وكيف تغلبت عليها؟

في الحقيقة، لم أواجه صعوبات تُذكَر في محاولاتي الإلكترونية فقد كانت المساحات الرقمية أكثر رحابةً وتقبّلًا. لكن التحدي الحقيقي بدأ حين قررت أن أُلقي بوليدي الأدبي في النور الورقي وأن أراه ملموسًا ينبض بين دفتي كتاب.

لكنني، في نهاية المطاف وجدت تلك اليد التي امتدت وذلك الضوء الذي استقبل مشروعي بحب فعرفت أن للرحلة ثمرتها، وللإصرار مجده وللأحلام الصادقة موعد لا يخلف

كيف ترى أهمية سلسلة مقالات “فلسفة الأديان” في تقديم رؤية فلسفية وإنسانية للقضايا الدينية؟

أرى أن سلسلة مقالات “فلسفة الأديان” تُشكّل جسرًا بالغ الأهمية بين التسليم بالنص والبحث العقلي عن المعنى.

إنها لا تهدف إلى المساس بجوهر الدين بل إلى فتح نوافذ لفهمه في سياق أوسع يعترف بتعقيد الإنسان وتعدّد أسئلته.

وهي تُضيء المساحات الرمادية التي كثيرًا ما يتجنبها الخطاب التقليدي وتُقدّم رؤية إنسانية تنظر إلى الدين لا كمنظومة مغلقة بل كرحلة روحية وفكرية تتداخل فيها الحاجة إلى اليقين مع شوق الإنسان الأزلي للفهم.

هي كانت مجرد محاولة لإعادة قراءة القضايا الدينية بعيون الفلسفة لا لنسفها بل لإثرائها، ولتجديد الوعي بما تحمله من عمق روحي وتاريخي وإنساني.

وفي زمن تتعالى فيه الأصوات المتطرفة أو الجامدة تأتي مثل هذه المقالات لتمنح الفكر توازنه وللقارئ حريته في أن يتأمل، لا أن يُلقّن.

 

 ما هي الأفكار الرئيسية التي تطرحها في كتاب “أفكار في زمن التحولات”، وكيف ترى تأثيرها على القراء؟

في كتاب “أفكار في زمن التحوّلات” حاولت فيه أن ألتقط لحظات الانكسار والنهضة التي يعيشها الإنسان المعاصر وسط عالم يتغيّر من حوله بسرعة تفوق استيعابه.

طرحتُ فيه أسئلة عن الهوية والاغتراب وبين الحاجة إلى المعنى في زمن يهدد كل المعاني بالتفكك.

الكتاب لا يقدّم إجابات جاهزة بل يفتح أبواب التساؤل ويحرّض القارئ على التأمل الحرّ والشك الخلّاقي، والمراجعة الصادقة تناولت فيه قضايا تتعلق بالوعي والدين والسياسة والأخلاق من منظور إنساني وفلسفي يُعلي من قيمة الإنسان كذات واعية في مواجهة تيارات الاستهلاك والضياع الروحي.

أما تأثيره على القرّاء، فأرجو أن يكون قد ترك فيهم أثرًا شبيهًا بما تفعله الكلمة الصادقة حين تلامس جرحًا خفيًا أو توقظ سؤالًا كان نائمًا. أردتُ أن يشعر القارئ بأنه ليس وحده في هذه المتاهة… وأن الفكر حين يُكتَب من القلب، يمكن أن يكون عزاءً ومصباحًا في آنٍ معًا.

 

كيف ترى نجاح سلسلة “الإنسان أصله بلح” في تقديم رؤية فلسفية وإنسانية للقضايا المعاصرة؟

تُجسّد سلسلة “الإنسان أصله بلح” في جزئيها تجربة فكرية خاصة استطاعت أن تتجاوز حدود الظاهر لتغوص في عمق النفس البشرية وتفاصيل المشهد الاجتماعي المعاصر.

كانت مشروعًا أدبيًا وفلسفيًا ذا أثر واضح، تجلّى بوضوح في حصول الجزء الأول على جائزة أفضل كتاب من دار النشر عام 2022 تكريمًا لتأثيره وفرادته.

تميّزت السلسلة بقدرتها على الجمع بين السخرية الفلسفية والنقد الاجتماعي، مُتناولةً موضوعات يومية يظنها البعض تافهة لكنها في الحقيقة تكشف تحوّلات عميقة في السلوك الإنساني.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك مقال “فوزية البرجوازية” الذي يرصد بأسلوب ساخر الطبقة البرجوازية المُزيّفة في المجتمع المصري كاشفًا عن مظاهرها الهشة وتناقضاتها المضحكة والمبكية في آنٍ واحد.

كذلك احتوى الجزء الأول على مقال مهم بعنوان “الحب والجنس”، تناولت فيه رؤية سيغموند فرويد للعلاقة المعقّدة بين الحب والغريزة الجنسية موضحًا كيف يتداخل الشعور العاطفي بالجذب الجسدي وكيف يظل الإنسان ممزقًا بين النقاء العاطفي والدافع البيولوجي وهي إشكالية جوهرية في تكوين النفس كما يراها فرويد.

إن السلسلة لا تطرح مجرد تأملات شخصية بل تحمل رؤية فلسفية وإنسانية لقضايا معاصرة تمسّ القارئ في عمقه، بلغة تجمع بين خفة الظل وعمق الفكرة.

ولهذا، فهي تمثل إضافة حقيقية إلى أدب المقال وتُعدّ من الأعمال التي تترك أثرًا لا يُنسى في ذهن كل من يقرأها.

 

كيف يمكن وصف تجربتك في كتابة “حكايات الظلام” وكيف أثرت في مسيرتك الأدبية؟

حكايات الظلام كانت الشرارة الأولى وبداية المسار الحقيقي في رحلتي مع الكتابة.

حينها كنت من عشاق أدب الرعب خاصةً ذلك الذي يحمل طابعًا قوطيًا قاتمًا كما تعرفين. وانجذبت إلى العوالم الغامضة وقصص الرعب.

ورغم أن العمل لم يُكتب بلغة فصيحة أو بليغة كما أكتب اليوم فإنه حمل صدق التجربة الأولى وجرأة الاقتراب من مناطق أدبية لم تكن مألوفة لي بعد.

المفاجأة أن صدى العمل كان أكثر مما توقعت؛ قرّاء كثيرون أثنوا عليه، ورأوا فيه شيئًا مختلفًا.

وهذا الثناء لم يكن مجرد كلمات بل كان وقودًا الدافع الأول الذي جعلني أؤمن بأن للكتابة معنى، وأن للكلمة صدىً في القلب إذا خرجت من القلب.

 

ما هي الرسالة التي تود إيصالها من خلال سلسلة مقالات “فلسفة الأديان”؟

هو أن الدين في جوهره ليس مجرد طقوس أو نصوص محفوظة بل أن الدين يستحق التأمل والسؤال وإعادة الفهم لافكارك .

الدين حين يُنتزع من أيدي الجهل والتعصّب ويُقارب بعين الفلسفة وروح الإنسان يتحوّل من أداة صراع إلى مساحة وعي ومن وسيلة للسيطرة إلى فرصة للخلاص الداخلي.

ورسالتي كانت هو أن يكون الإنسان مؤمنًا حرًا واعيًا متأملًا… لا تابعًا يردد ولا متطرفًا يُقصي بل إنسانًا يرى في الدين طريقًا للنور والهداية لا سجنًا للروح.

 

ما هو العمل القادم الذي تحضّر إليه، وما هي الفكرة الرئيسية التي تدور حولها؟

عملي الجديد يتحدث عن النهاية نهاية كل شيء.

نهاية الحب حين يذبل والجنون حين يهدأ نهاية الصراع الذي طال، ونهاية المدّ والجزر حين يفقدان نظامهما، ونهاية الضغائن التي أكلت القلوب، والدمار الذي التهم المدن، والنكبات التي أصبحت مألوفة حتى نهاية الجدران والبيوت… تلك التي كانت يومًا تحمل دفء الأمان.

إنه عمل أدبي فانتازي وجودي، يكتب عن السقوط الكبير، عن اللحظة التي يتوقف فيها الزمن وتختنق فيها الأسئلة، وتُولد بدايات غامضة من رحم الانهيار.

سأمنحك الفرصة لتفكّر…

عن أي “نهاية” أتحدث؟

وأي عالم سيكون على أنقاض هذا الخراب؟

العمل سيصدر قريبًا… وسيكون متوفرًا بالمكتبات خلال أيام.

 

ما هو الدور الذي تلعبه القراءة في حياتك الإبداعية، وكيف تؤثر على كتاباتك وأفكارك؟

القراءة بالنسبة لي هي حياة موازية.

هي النافذة التي أطلّ منها على عوالم لم أعشها والأصوات التي تهمس لي حين يصمت كل شيء من حولي.

في لحظات الصمت وفي المساحات الرمادية من الواقع كانت الكتب دائمًا تملأ الفراغ بالمعنى وتعيد ترتيب فوضى الداخل بهدوء الفكر.

في حياتي اليومية القراءة أشبه بوقفة تأمل…

قد أقرأ سطرًا واحدًا لكنه يظل يدور في رأسي لساعات، يغير نظرتي لشيء كنت أظنه بسيطًا.

تعلّمني كيف أُصغي كيف أكتب كيف أكون إنسانًا أكثر عمقًا وأقل حكمًا على الآخر.

أما على مستوى الكتابة فالقراءة هي التربة التي تنبت فيها أفكاري.

كل كتاب أقرؤه يترك في داخلي ظلًاو فكرة وهاجسًا.

ربما لا أقتبس منه حرفًا لكني أقتبس منه حسًّا نبرة موقفًا من العالم.

القراءة تصقلني لكنها في الوقت ذاته تزعجني أحيانًا لأنها توقظ أسئلة كنت أهرب منها.

ولهذا أحبها… لأنها لا تُدلّلني بل تُربّيني ككاتب وكإنسان يبحث عن شيء يشبه الحقيقة.

 

ما هي النصائح التي تقدمها للكتاب الشباب الذين يرغبون في نشر أعمالهم؟

واخيرا أهم نصيحة أوجّهها لأي كاتب شاب يرغب في نشر عمله الأول هي لا تستعجل.

الكتابة الحقيقية لا تُقاس بسرعة النشر بل بصدق التجربة ونضج الفكرة.

أحيانًا يكون الحماس أقوى من الجاهزية، فيُخرج الكاتب عمله الأول إلى النور قبل أن ينضج فيندم لاحقًا لأنه لم يُمهله الوقت الكافي ليتشكّل كما ينبغي.

النشر ليس غاية، بل محطة. الأهم أن تُنضج نفسك قبل نصّك، أن تعيد القراءة عشرات المرات أن تسمح للشك أن يُراجعك وأن تصقل صوتك الأدبي حتى لا تكون مجرد صدى لغيرك.

وتذكّر دائمًا: العمل الأدبي الأول هو بطاقة تعارفك مع العالم، فاحرص أن يكون صادقًا متماسكًا يحمل بصمتك لا ظلّ غيرك.

 

ومنا نحن مجلة الرجوة الأدبية نتمنى التوفيق والنجاح الدائم للكاتب أحمد عادل في مسيرته الأدبية والعملية.

Loading

One thought on “الكاتب أحمد عادل: الكتابة ومُتنفّسٌ للروح حين تعجز كل الأصوات”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *