الكاتبة حور حمدان
ثمة إرهاق لا تلمحه العيون، ولا يدركه من حولك. إرهاق يتسلل إلى أعماقك كسمٍّ صامت، يأكل أطراف روحك ببطء،
ويتركك تسير على الأرض كأنك ظلٌّ باهت، كأنك جثة اعتادت الحركة حتى دون حياة.
ترهقك الأيام، لا لأنك ضعيف، بل لأنك لم تعد تملك رغبة الصراخ؛
لأنك لم تعد تؤمن أن أحدًا سيُصغي إن تألمت.فتكتفي بحمل حطامك في صدرك،
تبتسم في وجه الخذلان، وتربّت على جُرحك كأنه صديق قديم…
تعبٌ لا يزول، ولا يتبدّد. يتكدّس فوق عينيك، يجعلك تضحك وسط الزحام،
بينما داخلك مدينةٌ مدمّرة: أنقاضها أنت، وأطلالها أيامك، وساكنوها أحلامٌ لم تولد، وأمنياتٌ اختنقت قبل أن تعرف طريقها.
كلّما حاولتَ أن تشرح، خانك التعب؛ ليس لأنك تجهل الكلمات، بل لأنك صرت تخشى أن تفتح أبواب الوجع مرّة أخرى،
أن تبوح، فيسقط عنك آخر ما تبقّى من اتّزان. وما أقسى أن يصبح جسدك هشًّا، وروحك تتتهشم.
تسهر ليلك متخشبًا، تخشى السكون لأنه مرآة قلبك؛ تخشى النوم لأنك تعرف أن كوابيسك تنتظرك،
وتخشى النهار لأنه وعدٌ جديد بالتعب. تخشى نفسك، لأنك لا تعرف إلى أيّ قاع قد يسحبك. وتكتشف،
بعد كل هذا، أن أكثر ما يؤلم هو أنك لا تملك أحدًا يقول لك: كفى، توقّف، اتكئ هنا، دع عنك حملك، ولا بأس أن تنهار…لكن، لا أحد.
في النهاية، تتعلّم كيف تصبح موطنًا لنفسك، وعدوًّا لها، وصديقًا مزيّفًا يحمل مرآة لا يرى فيها سوى شبحك. هكذا يتآكل الإنسان.
لا لأن العالم قاتل، بل لأننا أحيانًا نكون وحيدين بطريقةٍ تبكي لها السماء،ولا يلتفت إليها أحد.
![]()
