...
606c4c9d 32e7 471e 94dc cbbe26abe93c

كتب: حسين العلي 

في أعماق كلٍّ منّا، غابةٌ مترامية الأطراف، موغلةٌ في الغموض، لا يطأها إلا من تجرأ على اقتحام ذاته. غابةٌ لا تُشبه سواها، تتشابك فيها الأشجار والأغصان، تتناثر فيها بقع الضوء والظلّ، وتتناوب على جنباتها نسائم الأمل وعواصف الألم.

إنها النفس البشرية، بكل ما تحمله من تناقضات، وكلّ ما تختزنه من أسرار وجمال ومخاوف.

ليست هذه الغابة دائمًا مزدهرة، ولا هي دائمًا مظلمة. فيها من البهاء ما يدهش العيون، وفيها أيضًا أعشاب طفيلية ضارة تنمو بصمت إن لم ننتبه لها. هناك الزهور التي تمثل قيمنا النبيلة، وهناك الأشواك التي قد تنبت من غضب دفين أو ألم لم يُعالج بعد. بين الأغصان، قد نجد طيور المحبة تحلق، وقد نسمع نعيق غربان الحسد أو الخوف.

ولذلك، من الحكمة والرحمة بالنفس أن نقوم بين الحين والآخر برحلةٍ داخليةٍ صادقة. نُطفئ ضجيج الخارج، ونتأمل في مجاهل الذات. نجلس مع أنفسنا بصبر، نُصغي لما هو مطمور تحت الركام، نكتشف ما أهملناه في زحمة الحياة، نداوي ما جُرح، ونُزهّي ما تَألّق.

في هذه الرحلة، قد نُفاجأ بروعة ما نحن عليه، وقد نهتز لما اكتشفناه من نواقص. ولكن، هذا الاكتشاف هو ما يمنحنا القوة والصفاء، ويُعيد إلينا التوازن. فنحن مخلوقات عجيبة، معقدة، تحمل في طياتها إمكانية التحول والنمو والارتقاء.

ولا شيء يُلخص هذه التجربة العميقة كما يفعل هذا الدعاء البسيط المليء بالمعاني:
“سبحان الله… اللهم حسِّن خُلُقي كما حسَّنتَ خَلقي.”

إنها دعوة لأن يتّسق الجمال الظاهري مع الجمال الباطني، وأن تُزهر غابتنا الداخلية بالقيم كما يزهر الجسد بالنور. إنها تذكرة بأن الإنسان ليس فقط مظهرًا، بل أعماقًا وأبعادًا وطبقات تحتاج إلى عناية ورعاية.

فهلّا بدأتَ رحلتك؟

في كل رحلة داخلية نقوم بها، نحن لا نعود كما كنا. هناك شيء يتغيّر، يتبدّل، يتكشّف. الغابة التي ظنناها مظلمة بلا مخرج، نكتشف فيها دروبًا من نور، ومسالك تؤدي إلى ينابيع لم نعلم بوجودها من قبل. ومع كل خطوة نخطوها في تلك المجاهل، نعرف أنفسنا أكثر، ونفهم لمَ نشعر بما نشعر، ولمَ نفعل ما نفعل، ولمَ نتألّم أحيانًا بلا سببٍ ظاهر.

وغابتك تلك التي فيك ليست بحاجة إلى شخص آخر يقطعها نيابة عنك. لا مرشدَ فيها سواك، ولا ضوءَ يُشعلها سوى صدقك مع ذاتك. نعم، قد يلهمنا الآخرون، وقد يدلّوننا على بعض الطرق، لكنّ الطريق الحقيقي لا يُسلك إلا منفردًا، ومَن لا يُغامر في ذاته، يظلّ يطوف حول أسوار نفسه دون أن يدخلها.

فلنكن رُعاةً لأرضنا الداخلية.
لننقِّيها من الحشائش السامّة: الحقد، الكِبر، الغضب، والأنانية. ولنروِها بالماء الطيب: الحُب، الرحمة، الصدق، والتواضع. لنزرع فيها أشجار الحكمة، ولنعلّم قلوبنا أن تثمر سلامًا في زمنٍ ضاجّ بالتوتر والانشغال.

تأمل، كلّما نظرتَ إلى مشهد طبيعيّ أخّاذ، كم يختزن الجمال من بساطة وتوازن وتنوّع. كذلك خُلقتَ أنت. فيك ما يُدهش، وفيك ما يستحق العناية، وفيك إمكانية التحوّل، متى ما أردتَ أن تبدأ.

فابدأ الآن.

اجلس وحدك، ولو عشر دقائق، في هدوء. اسأل قلبك: ما الذي يؤلمني؟ ما الذي يسعدني؟ من أكون؟
أغمض عينيك، وقل:
“سبحان الله… اللهم حسِّن خُلُقي كما حسّنتَ خَلقي.”

ثمّ افتح عينيك، وانظر حولك، ستجد العالم قد تغيّر قليلًا، لأنك أنت تغيّرت في داخلك.والغابة التي فيك… بدأت تُزهر.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *