...
85df59821cf82d7f9666bba315c3b362

كتبت منال ربيعي 

في صمت الأيام، قد يشعر الإنسان بأنه مجرّد ظل في زحمة الحياة، لا تُرى خطواته، ولا تُسمَع كلماته، وكأن العالم يمضي دون أن يلحظ وجوده. هذا الإحساس القاسي بالغُربة الذاتية لا ينبع من الآخرين، بل من فراغ داخلي، من تآكل الإحساس بالقيمة الذاتية.

لكن، ما معنى أن يشعر الإنسان بقيمته الداخلية؟
القيمة لا تُمنح من الخارج، ولا تُقاس بالشهادات، ولا الألقاب، ولا عدد المتابعين على الشاشات. إنها ذلك الإحساس العميق بأنك شخص جدير بالحب، بالاحترام، بالحياة، حتى دون أن تثبت ذلك لأحد. هي لحظة صدق مع النفس، تدرك فيها أن وجودك لا يحتاج شهادة من أحد.

تخيّل فتاةً اسمها سلمى، تعمل بصمت في أرشيف مكتبة قديمة، لا يعرفها كثيرون، ولا تُذكر في الاجتماعات الكبرى. لكنها حين ترتّب الكتب بيديها، تشعر أنها تحفظ ذاكرة الإنسانية. وحين تُرشد قارئًا ضائعًا نحو كتابٍ مفقود، تشعر أنها أوقدت شمعة في عقل أحدهم. سلمى لا تظهر، لكنها تعرف يقينًا أنها تُحدث فرقًا. تلك هي القيمة الحقيقية.

وفي الطرف الآخر، أحمد، موظف ناجح، محبوب من الجميع، يُصفّق له في الاجتماعات، ويُمدَح في كل محفل. لكنه في الليل، وحده، يشعر بالفراغ، لأن كل ما يفعله كان لإرضاء الآخرين. لم يعرف بعدُ من هو، وما يحب، وما يؤمن به. رغم مديح الناس، لم يشعر بعد بقيمته.

القيمة الحقيقية تنبع من المعرفة الذاتية، من مصالحة النفس، من الرضا عن الطريق ولو كان صعبًا. حين تسامح نفسك على أخطائها، وتفتخر بما اجتزته من محن، تشعر بقيمتك. حين ترفض أن تُقارن نفسك بالآخرين، وتؤمن أنك نسخة متفردة، تبدأ رحلتك نحو الداخل.

القيمة الذاتية ليست شعورًا عابرًا، بل وعي يُبنى كل يوم، بالصبر، بالمحبة، بالصدق مع النفس. وأؤمن أن الإنسان الذي يعرف قيمته لا يُقهر بسهولة، ولا يُستدرج لطلب القبول من الآخرين. إنه مشعّ من الداخل، حتى وإن لم يصفّق له أحد.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *