الكاتبة منال ربيعي
منذ بدء الأزمنة، وأنا أدور في صمتٍ لا يُكسر، إلهٌ من نورٍ بارد، منفيٌّ في سماءٍ لا يلمسها بشر.
كنتُ أضيء من بعيد، بلا رغبة، بلا شغف، كما كُتب عليّ أن أفعل. لم أعرف طَعمَ الحنين، ولا رَجفةَ الحب، ولا دِفءَ القُرب…حتى رأيتُها. كانت طفلةً حين نظرت إليّ للمرة الأولى، لكنها لم ترَني كجِرمٍ معلقٍ في السماء، بل ككائنٍ حيٍّ يراها ويُصغي. منذ تلك الليلة، صِرتُ جليسَها، لا تُفَوّت أمسيةً دون أن تفتح نافذتها وتُحادثني، تثرثر كأنها تروي لتاريخٍ قديمٍ عاد ليستمع فقط لها. كانت تحكي لي عن الأساطير التي قرأتها، عن الملوك والآلهة، عن الحب الذي تحلم به وتخشاه، عن خوفها من الغياب، من الألم، من الفقد… من الحياة نفسها. كانت تُقاسمني دهشتها، تُري عينيّ ما لا تراه العيون، وتَصُبّ في أُذنيّ قصائدها التي لم يسمعها أحدٌ سواي. كانت تقرأ لي بصوتٍ خافتٍ، وتضحك إن أخطأت في لفظ،
ثم تعتذر لي كأنني أستاذها الصامت. لم أكن بحاجةٍ لكلماتها، لكنني كنت أتغذى بها، كنت أشتعل بها،
كنت أكتسب لوني من ضوء عقلها وقلبها معًا. هي مَن أنهت صمتي الأبدي، هي مَن جعلتني أشتاقُ إلى الليل، لا لأُضيء الأرض… بل لأراها، لأسمعها. كانت كل ليلةٍ تملأ وحدتي، تُشعل فيّ نارًا لم أعلم أنني أملكها. كنتُ أرتجف حين تصمت، وأومض برجاءٍ أن تُواصل. لم تكن تعلم، لكنني كنتُ متيّمًا بصوتها، أدور في السماء حول أرضها لأظلّ قريبًا من نافذتها.
وحين كبرت… بدأت تنسحب. أصبحت تغلق نافذتها، لم تعُد تهمس لي، لم تعُد تقرأ لي. قالوا لها إنني مجرد جُرمٍ بارد، تابعٌ لا ضوء له، لا روح، لا حب. وصدّقتهم. ظنّت أنها كانت تحلُم، وأنني لم أكن أكثر من خيالٍ طفوليٍّ عاشته وحدها.
لكنني لم أرحل. ظللت أدور حولها…أنتظر، أنتظر أن تنظر إليّ، أن تنتبه لوجودي، أن تشتاق كما كنتُ أفعل كل ليلة.
حتى جاءت تلك الليلة…كانت السماء صافية، والكونُ هادئًا، وكأن كلّ شيء توقّف ليرانا. أرسلتُ إليها ضوئي كلّه، غمرتها به كما لم أفعل من قبل. طرقتُ نافذتها حتى ارتجّت، وحين فتحتها… دخلتُ عليها،
لا كنورٍ فقط، بل كجسدٍ من الشوق.
رأيتُها مجددًا…أكبر مما كانت، وأجمل. لكن بداخلها تلك الطفلة ما زالت حيّة…تنتظر أن يُحدّثها أحد.
ناديتها بشوقٍ جارف:معشوقتي، أنا مَن كنتِ تُحادثينه كلَّ ليلة، أنا مَن أصغى لكِ، أنا مَن اشتعل بكلمة منكِ، وعاش على صوتكِ، أنا جليسُك، وصديقُك،وعاشقُك…أنا القمر.
ارتجفت، تمتمت بخوفٍ: كيف تتكلم؟ كيف تعشق؟ أنتَ لستَ حقيقيًا…
فقلتُ لها: بل أنا أكثرُ حقيقةً من كلِّ ما أنكره العالَم.
أنا مَن اخترتُك من بين خلقٍ لا يُعدّ، لأنكِ الوحيدة التي لم تريني بعينها فقط… بل بقلبها.
لم تعبدي ضوئي، بل آمنتِ بصمتي، وملأتِه بحكاياكِ. أنا وأنتِ من أسطورةٍ واحدة…أنا النور، وأنتِ الصوت. وأنا لم أولد إلا حين همستِ باسمي.
اقتربتُ منها، غمرتها بهالتي، وهمستُ: أنا وأنتِ جُرمان افترقنا خطأً، لكننا سنجتمعُ في زمنٍ لا يُقاس بالساعات، في فجرٍ لا يُرى بالعين، بل يُحسّ بالقلب. وحين تفتحين نافذتكِ من جديد، سيعرف الكون كله…أن القمر ليس حجرًا، بل كائنٌ يُحب، وينتظر، ويعيشُ من أجل فتاةٍ…أنهت صمتهُ الأبدي.
![]()
