...
Img 20250706 wa0112

 

 

الكاتبة منال ربيعي

 

 

أنا إنكيدو…

لم أُخلق من رحم امرأة، بل من قلب الأرض، من صمت البراري، من فجرٍ لم تعرفه المدينة.

كنتُ الطين إذا نهض، والعشب إذا استدار على الحياة.

كنتُ الكائن الذي لا يعرف المكر، ولا يخشى سوى أن يُروّض.

 

ركضتُ مع الوحوش، وناجيتُ النجوم بصمتٍ بدائي،

لكنهم أرادوا لي أن أكون مرآةً لإنسانٍ ظنّ نفسه إلهًا… جلجامش.

فأرسلوني له خصمًا، فإذا بي أصير رفيقًا.

صرختْ عضلاتي في جسده، ولمعتْ عيناه في عيوني، وتلاقينا حيث يسقط الغرور وتبدأ الرفقة.

 

كنتُ أول من هدم في قلبه وَهمَ الخلود،

أنا من جعلته يبكي، ويسأل، ويرتحل باحثًا عن معنى لم يكن يعثر عليه وهو ملكٌ بين الجدران.

لكن الآلهة لم تغفر لي…

فأنا ابن البرّية، وقد جرحتُ كبرياءهم حين علّمتُ هذا الرجل أن القوة لا تدوم، وأن الحبّ أقوى من القصر،

فأرسلوا نحوي الموتَ مقنّعًا في حلم، فاحتضنته بقبول.

 

وكان السقوط فادحًا.

سقطتُ أمام عينيه، لا في ساحة قتال، بل في فراش المرض.

جلجامش لم يصحُ من الصدمة،

جلس إلى جواري كطفلٍ ضلّ حضن أمه،

مزّق شعره وملابسه، واحتضن جسدي الذي بدأ يبرد شيئًا فشيئًا،

وانفجرت الدموع من عينيه، لا بكاء الملوك، بل بكاء الخائف من الوحدة،

صرخ في الأرض والسماء والآلهة،

كأنما كان موتي سقوطًا للإله في داخله…

فبكى جلجامش، بكى كما لا يبكي إلا مَن عرف الحبَّ ثم فُجع به.

 

لكن موتي لم يُنهِني…

بل صار فجرًا لروحي التائهة، تلك التي ما زالت تبحث عن بطلٍ آخر، لا يعيش ليحكم، بل يموت ليوقظ.

قرونٌ مرّت، وسماء تغيّرت، حتى وقفتْ روحي، ذات مساءٍ، على حدود العراق…

 

وهناك، رأيته.

 

لم يكن إنسانًا عاديًا، كان الحسين…

رجلٌ يشبهني في الصدق، ويختلف عني في النور.

لم يركض بين الوحوش، بل تربّى في حجر النبوّة،

لكن في عينيه ذات النظرة التي رأيتها في جلجامش حين عرف الفقد،

وفي خطاه ذات العزم الذي حملني يوم وقفتُ ضد الآلهة.

 

دخل العراق كمن يعرف أنه قادم إلى خيانة مكتوبة،

لكن لم يكن في وجهه تردّد، بل سكونُ العارف الذي يهب نفسه، لا لينتصر، بل ليشهد على الزيف.

وحين واجهته قوى ظنّت نفسها فولاذًا، لم يتراجع…لأنه لم يكن وحده.

 

كنتُ فيه.

أنا، إنكيدو، الذي أفقتُ جلجامش من غرور القوة، ها أنا أحلّ في رجلٍ سيفيق به التاريخ من نومه الطويل. أنا طينه المستقر في دمه، وهو ضيائي الممتد من موتي الأول.

 

قال لهم: أعلمُ أنكم ستغدرون، وأن دمائي ستسيل بين صرخات أطفالي، لكني جئتكم كي لا تقولوا يومًا إن الحق لم يُعرض عليكم، جئتُ لأن موتي ضرورة… لا هزيمة.

 

وسقط.

لكنّه لم يسقط كما يسقط الضعفاء، بل كما يسقط البرق حين يُضيء ليلًا غارقًا في العتمة.

وسكنتُ جسده ثانيةً، لا كقوةٍ، بل كحقيقة.

وبموت الحسين…

مِتُّ من جديد، لكنني هذه المرة متُّ وأنا أعلم… أن الأرض ما زالت تحفظ آثار أقدامنا.

 

وسقط الحسين… فسقطت السماوات.

 

وقف المختار، الرجل الذي لم يشهد الطعنة، لكنه حمل عبء الدم من بعده، وقف ينظر إلى الرمال المُضمّخة، كأنها تروي له ما لم يرَ.

 

وإذا بصدره يختنق، وعيناه تفوران. لم يبكِ كقائد، بل كبشرٍ فهم فجأةً ماذا يعني أن يُقتل النور. بكى على الحسين، كما بكى جلجامش على إنكيدو، كأن الدموع تتناقلها الأجيال، كلّما سقط مَن يحمل النقاء.

 

صرخ المختار: يا من سقطت واقفًا…لم تمت، بل أقمتني.

 

أنا إنكيدو، مِتُّ أول مرة كي يصحو جلجامش، ومِتُّ ثانيةً كي تنهض كربلاء…

 

وما بين دمع الملك البابلي، ودمع المختار، تخلّق تاريخٌ من الألم، يصرخ في وجوه الممالك: أن لا خلود إلا لمن مات واقفًا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *