الكاتبة وعد عبد القادر علي
في ليالي السكون، كنا نجلس سويًّا، تفصل بيننا مسافات الزمان والمكان،
لكن قلوبنا كانت تتشابك في سماء الحب، أقرب إلى بعضها من حبل الوريد، كخيطين من نور يلتقيان في صباحٍ هادئ.
كنا نتسامر كل ليلة، ونتقاسم الآلام والأحزان، والمعاناة والضغوط النفسية، لكن وسط كل هذا الظلام، كان الحب نورًا يرشدنا إلى طريق الهدى، كشمعةٍ تضيء دربًا مظلمًا.
عند كل صباح، نُخرج بعضنا من الظلمات إلى النور، وفي كل يومٍ نتدرّج في مسميات الحب،
حتى بلغنا مرحلةً تفوق الوصف، فسمّيناها “الكثير بلا حدود”، في إشارة إلى أن حبّنا لا يمكن أن يحدّه شيء.
أنت روحي التي تسكن جسدي، وأنا قلبك الذي لا ينبض إلا بحبي. كنا كسفينةٍ وأنا المرسى، كندىً وأنا الزهرة،
كسماءٍ وأنا شمسها، كنهرٍ وأنت مجراه، كشجرةٍ وأنت ثمارها، كلغزٍ وأنت حله.
في كل هذه التشبيهات، أجد نفسي مرتبطةً بك، متأصلةً في حبك، لا أستطيع العيش دونك.
أنت مأواي الذي آوي إليه، وأنا عصفورك الذي يغني لك.
لكن الحياة قاسية، كرياحٍ عاتية تفصل بين الأرواح. كنتُ له الأرض، وكنتُ تلك السحابة التي تمطر ما زاد عن حملها فيه، لكنّ الرياح أخذتني منه بعيدًا، بعيدًا حتى بات السبيل إليه مستحيلًا. الآن، في عمق قلبي، تنمو شجرةٌ من الذكريات، جذورها ضاربةٌ في الماضي، وأغصانها تبحث عنك في المستقبل.
أحيانًا، أجد نفسي أطير على جناحي فراشةٍ في عالم الأحلام، أحمل معي وردةً حمراء، أبحث عنك في كل زهرة، وفي كل شمس. وحين أعود إلى الواقع، أجد نهر الحنين يتدفّق في قلبي، يبحث عن مجراه في بحر ذكرياتنا، لعلّه يبلغ الشاطئ الذي نلتقي فيه مرةً أخرى.
وفي كل ليلة، أجلس على ذلك الكرسي الخشبي، أدوّن الذكريات، أنظر إلى الأفق البعيد، وأتمنى لو أن الأيام تعيدنا إلى بعضنا. الظلام يبتلع الأمل، وتبقى الذكريات كل ما أملك في هذا الكون الفاني المحزون.
ومن بين كل ذلك اليأس، أجد أن الحنين هو انعكاس الروح على جدران الزمن، حيث تتشكّل الذكريات كأشباحٍ تعيدنا إلى لحظاتٍ مضت، لكنها لا تزال تسكننا.
وفي النهاية، أذهب إلى غرفةٍ مليئةٍ بالساعات المتوقفة. أجد ساعة جدي، تتحرك عقاربها عكس الزمن، لتعيدني إلى لحظة التقينا فيها أول مرة، حيث بدأ كل شيء. لكن، هل أستطيع أن أحدد تلك اللحظة؟
أهي حين قلت لي: “أنا هنا”؟ أم حين بكيتُ أمامك لأول مرة؟ أو ربما حين نطق قلبي من غير أذني: لا تتركني… ملجئي؟
منذ ذلك الحين، وأنا أبحث عنك في كل مكان. في مدينة الأحلام، أجد قلبي يبحث عنك في كل زاوية، وفي غابة الأشجار العالية، أبحث عنك بين الأوراق الخضراء، حتى أسمع صوت الرياح تهتف باسمي.
الحزن يرافقني، لكن الأمل ما زال قائمًا، فلعل الأيام تعيدنا إلى بعضنا مرةً أخرى…وأجتمع مع عاملي الإيجابية.
![]()
