الكاتبة وعد عبد القادر علي
حكاية حب لا تعرف النهاية
بينما كنّا نجلس على شاطئ البحر، كانت عيوننا ترفرف كطائرين حرّين في سماء اللانهاية، وقلوبنا تتشابك كغصنين متعانقين في بستان الحب.
همستُ إليك بمكنونات قلبي، محاولًا اختراق حجاب الغيب واستشراف مستقبلنا المجهول، فتنهدت الأمواج، وهمست الرياح، وتعالت صفحة السماء وكأنها تردد معي: ما الذي تخبئه لنا الأقدار؟ هل ستظل قلوبنا متشابكة كغصنين؟ أم ستفترق كما تتفرق الأمواج؟
فأجابت الأرض التي نغفو عليها: مهما طال الزمن، وبعُدت المسافات، ستظلان سويًا، كشجرتين متأصلتين في أرض واحدة، لن تفترقا أبدًا.
سيأتي اليوم الذي يُكتَب فيه كل منكما للآخر، أمام الناس، وأمام رب الناس.
ستواجهان مطبّات الحياة، لكنّ الحب بينكما سيقف كجدارٍ أمام كل التحديات.
سأكون أنا — الأرض والبحر والذكريات شاهدة على حبكما، حافظة له، مغزولة بأنفاسكما.
قلوبكما ستبقى متشابكة كغصنين لا يفترقان، أنتما كشاعرٍ وبحرِ الكلمات، كرسّام ولوحةٍ، كملحّنٍ ونوتة، كمخرجٍ وفيلمه، كعازفٍ وآلته، لا يكتمل الإبداع إلا بكما معًا.
أنتم كفنانٍ ولوحةِ فنه، كطاهٍ وطبقهِ المفضّل، كقارئٍ وكتابهِ المفضل…
كل منكما يُكمل الآخر ويُضفي عليه مذاقه الخاص، كل تفاصيلكما تعكس جمال الآخر.
ثمرة حبنا؟
أطفالٌ يملؤون حياتنا بهجة، يرثون منّا الحب والجمال.
في أعماق مخيّلتي، بدأت خيوط المستقبل تتشابك، أحيك ثوبًا من الأحلام أُلبسه أولئك الأطفال الذين سيحوّلون أيامي إلى جنّة.
أختار أسماءهم بعناية، وأرسم ملامحهم بفرشاة الحب، وأتخيل ضحكاتهم، وبراءتهم، وملامحنا مجتمعة في وجوههم…
كأنّ الحب يرسم لوحةً فنيّة لا تُمحى.
أُعيد النظر إليك، أبتسم، ثم أرفع بصري نحو السماء وأهمس أمنيتي الأثيرة: أريد أن أكونَ معك… إلى الأبد.
إلى أن يعتلي الشيب رأسي، أنسى كل شيء بفعل الزمن… إلا اسمك.
ثم تتراءى لي مشاهد، تُنعشني كما كانت من قبل…
أنت تناديني مرارًا، فلا أسمعك، إذنٌ أثقلها مرور الوقت.
نجلس قرب بعضنا في الحديقة الخلفية، أنسُكَ وتؤنسني،
تتلاعب، فأستحي، فيأتي أبناؤنا يسخرون: بعد كل هذا العمر، تُلاعبها وتُغازل؟
تستمر في لهوك أمامهم، فأستحي، أتذمّر، يكتسب وجهي حمرة الخجل…
يأتي أحد الأبناء، يغار عليّ منك،
ففي معتقدهم، هم الأولى، ولا يجوز لك ما تفعل…
تجذبني نحوك لتؤكد لهم ملكيّتي لك،
ثم تأتي فتاتي، جبينها مغضب برقة، تغار كما كانت تفعل منذ الأمد…
أُزيح كتلة الخجل وأحاوطك بتملك، وأُرسل من مقلتيّ إنذارًا لها لتترك ما يخصني!
تتضارب الذكريات…
أتذكر شجاراتي معها في الماضي، كأننا ضرائر ولسنا أمًّا وابنتها.
لكن عيناي الآن تُعلنان بإصرار:
لن تكسبي… سأفوز بك في هذه المعركة!
تبتسم تلك السمجاء المدعوة ابنتي،
تتعالى ضحكاتك، تربّت على ظهري، فأشعر بذلك الأمان الذي لطالما كان معي بين يديك…
قبل أن تتحدث، نستمع لصوت الصفير وصفقات خلفنا…
هم أحفادنا، يحتفلون بحبنا، كما عهدوا في كل زيارة.
أحاول الإفلات منك لأستقبلهم، لكنك تأبى…
يحيط بنا الجميع، يشاغلوننا، فتبدأ أنت سرد قصتنا للمرة الألف بعد المئة، بكل تفاصيلها، أبتسم في بعضها، وأدمع في أخرى…
ثم تنهي الحكاية كعادتك، ممسكًا بيدي، تُقبّلها وتقول:
أحبك.
فأبتسم، وأخفض رأسي، ثم أردّ بكل سكون:
أنا أعشقك.
تتعالى ضحكات الجميع،
أنظر لأبنائي وأحفادي، ثم أرفع بصري إلى السماء، وأتمتم بكلمات امتنان للمولى عزّ وجل…
على نعمتك التي تبعتها نِعَمٌ أخرى.
![]()
