كتبت: منال ربيعي
حين تمشي الروح في الدروب دون أن تترك ظلًا… وتكون الرحمة أثقل من الكلام…
لم يكن يسعى أن يُرى.
لم يكن يطلب شيئًا… لا مقاما ولا منزلة.
كان يسير بين الناس كما تسير القطرة في نهرٍ كبير: لا يعرفها أحد، لكنها من ماءه.
اسمه لا يُذكر في المجالس، لا تُكتب عنه الكرامات، ولا تُعلّق على بابه الأعلام.
لكنه، حين يمر، تميل الأشجار إليه، وتبتسم له العصافير دون أن تغرّد.
كان في مقامٍ لا يُطلب، بل يُولد في القلب كما تولد الحكمة في فم مجذوب.
يسمّونه أهل الباطن: الخفاء الرحيم.
مشهد أول: لقاء في الظلال
كنتُ في سُوقٍ تعجّ بالضجيج، رأيته جالسًا على حجر قديم.
ثيابه بسيطة، عيونه مطفأة من الحزن، لكنها مليئة برحمة لا توصف.
أعطى طفلًا كسرة خبز، ولم يقل شيئًا…
لكن الطفل لم ينسَ أبدًا تلك الكسرة، وظل يبحث عنه، حتى صار رجلاً.
قال لي أحدهم: “هذا من أهل الخفاء… ما أحبّ الظهور، فأحبّه الله.”
في هذا المقام…
لا تُرفع فيه الأكفّ إلى السماء، بل تُفتح القلوب كما تتفتح الزهور في ليلٍ هادئ.
لا تصرخ فيه الروح بنداء، بل تهمس بـ”يا رب” من موضعٍ في القلب لا يسمعه إلا الله.
إنه مقام من عرف أن “الرحمة” لا تعني أن تُعطي، بل أن تُخفي ما أعطيت.
هو مقام من بكى دون دموع، وغفر دون أن يُسأل، وعَبَر الحياة دون أن يترك أثرًا… سوى في الأرواح التي مرّ بها مرور الملائكة.
مشهد ثانٍ: من لا نعرف أسمه
كانت هناك امرأة سوداء، تنظف مسجد المدينة، لا يعرف أحدٌ اسمها.
ولما ماتت، لم يلتفت الناس.
لكن النبي ﷺ سأل عنها.
قالوا: “ماتت يا رسول الله، ودفنّاها.”
فقال: “أروني قبرها.”
ثم صلى عليها… وقال إنها في الجنة.
أترى؟
هذا هو “الخفاء الرحيم”.
أن تكون في عين الله وأنت خفيٌّ في أعين الناس.
لا مجد، بل نور هادئ
في هذا المقام، لا يحتاج الإنسان إلى اسم.
ولا إلى سيرة تُروى.
يكفيه أن الله يرى، ويعلم، ويُحب.
الذين بلغوه… لا تتغير وجوههم، بل تتغير وجوهنا نحن إذا جلسنا إليهم.
يشبهون الشموع في بيتٍ قديم، لا يعرفها أحد، لكنها تضيء المكان كله.
![]()
